أين أنتم مما يحدث ؟

أين أنتم مما يحدث ؟


لن يتذكر الكثير في منطقة الشرق الاوسط عام 2014 بكثير من الخير. فرغم عدد من الأحداث السياسية والاقتصادية الهامة التي تستحق الإشادة إلا أن المشهد الأكثر تكرّرا ورسوخا في الأذهان طوال العام المنصرم هو صور الدماء والقتل والتفجير ونحر الرقاب وصوت بكاء الأطفال ونحيب الثكالى وتوسلات السبايا، ورائحة الدم والبارود وحرق الاشلاء؛ كل ذلك تحت لواء الدين وراية الايمان وباسم المعتقد. كره وحقد وعنف دموي اجتاح العديد من دول المنطقة بل وضرب المجتمعات الأكثر تسامحا واستقرارا.  وتضاعف للأسف رواج خطاب التعصب وفكر الطائفية ولغة الاقصاء بمختلف أرجاء الشرق الاوسط، وأصبح المنتج الثقافي الأول الذي تصدّره المنطقة إلى العالم.

فكر متطرف انتشر كالنار في الهشيم ليحرق قيم الأخوة والتسامح والنخوة ومكارم الأخلاق التي طالما تغنت بها شعوب المنطقة؛ وطوفان لا يُبقي ولا يذر من العنف والكراهية ابتلع عشرات الآلاف من شباب المنطقة ليحولهم من لطافة الايمان إلى معاول للشيطان.  ووسط مشاهد العنف والدمار والهلاك، وقف رجال الإنقاذ والاطفاء الحقيقين وهم رجال الدين من مختلف المذاهب والمشارب بالمنطقة – إلا من رحم ربي – موقف الجمهور وكأنهم يستمتعون بمشاهدة أحد أفلام "الزومبيز" وأكلة لحوم البشر من انتاج خيال هوليوود لا واقعا مدمرا يجتاح مجتمعاتهم ويقتل شبابهم ويستنزف خيرات اوطانهم. صمت مريب وسكوت يحمل في طياته الكثير من المعاني.

لا يمكن بطبيعة الحال أن نرى ما يحدث بالمنطقة بعيدا عن الحدث السياسي العالمي، أو أن نتجاهل المصالح والاطماع والادوار الخفية للكثير من القوى حول العالم. إلا أنه من المشين والمخجل أيضا أن نقبل بتلك المبررات كسبب كاف للتنازل عن القيم والمبادئ، وتبرير العنف والكراهية، والتحوّل إلى محرّك للتنابذ والطائفية، خاصة من قبل أفراد اختاروا بأنفسهم أن يكونوا رجالا للدين وأن يحملوا أمانة إحياء روح الايمان ومكارم الأخلاق بين البشر. 

توالت في الفترة الأخيرة خطابات صريحة لعدد من قادة وزعماء المنطقة تنبه رجال الدين وقادة الفكر بأنه لم يعد هناك متسع للتكاسل والصمت أمام ما يحدث بالمنطقة باسم الدين. إن ما حملته هذه الخطب من إشارة إلى الفكر الذي تم تقديسه على امتداد مئات السنين وما نتج عن هذا الفكر من نصوص وأدبيات احتلت تدريجيا مكان مفاهيم الدين الحقيقية في أذهان ووجدان الملايين في مجتمعاتنا؛ وما أكدوه بحزم عن الحاجة إلى نهضة فكرية وثورة دينية تزيل العوالق والشوائب التي شوهت فهم الكثير في مجتمعاتنا عن الايمان وروحه، جدير بالتمعن والدراسة والبحث.  فمن غير المنطقي أن يدعوَ رجل الدين إلى ايمان جوهره التسامح ثم يسكت سكوتا يدل على الرضا عن نحر رقاب وسفك دماء كل من اختلف معه في الدين أو المذهب. ومن المخالف للفطرة السليمة أن يتكلم عن مكارم الأخلاق ثم لا يرى عيبا في خطف امرأة من أحضان زوجها لتكون سبية مغتصبة لدى معتوه لا يرحم لمجرد اختلاف دينها.  وليس من المعقول أن يؤمن بأن الخالق عز وجل وسعت رحمته كل شيء ثم يحث على الضيق في الرحمة مع كل مختلف في الفكر والدين.

لا بد أن ندرك بأنه رغم كون الحقيقة الإلهية واحدة والأصول الايمانية ثابته، إلا أن فهمنا لمقاصدها وادراكنا لمفاهيمها نسبي ومتغير بتغير الزمان.  فبقدر ما يتصف به الخالق العظيم بالوحدانية والثبات، بقدر ما يتسم به المخلوق من تطور وتغيير كصفة ملازمة له في مسعاه إلى معرفة الخالق. فإن ادعينا بأن فهمنا اليوم أو فهم سلفنا بالأمس هو الفهم الكامل الأتم لكلام لله ومقاصد دينه، نكون قد ادعينا صفة إلهية لأنفسنا وفشلنا في أهم درس من دروس علاقة الانسان بربه. 

إن قراءة مجتمعاتنا اليوم للدين والمعتقد يتم في معظمه من خلال منظار نفوس وتفسيرات اجتهدت في قرون مضت لمعرفة الصواب في ظل ظروف اجتماعية ومكتسبات علمية تختلف كليا عن حال عالمنا ومجتمعاتنا اليوم.  فمن غير المعقول – على سبيل المثال – أن يكون فهم هوية الانسان في زمن كان البشر فيه يباع ويشترى مناسبا لزمن أصبحت فيه الانتخابات مقياسا لاختيار الأنسب.  وليس من المنطق أن تقاس العلوم والفنون في زمن تقنية النانو وهندسة الجينات وغزو الفضاء بمقاييس زمن اعتبرت الأرض فيه مستوية والكيمياء ضربا من السحر لدى من بلغوا قمة الذكاء. كما لن يستقيم تنظيم علاقات البشر والشعوب في زمن العولمة وتقنيات الاتصال خارقة السرعة بمقاييس مرحلة احتاج المرء فيه إلى أيام بلياليها لقطع مسافات تقع اليوم ضمن حدود مدينة واحدة. ولا يمكن أن نتعامل مع التنوع الحضاري والفكري والعقدي لكتلة بشرية تجاوزت سبعة مليارات نسمة بمفاهيم مرحلة لم نكن فيها نعرف عن الأرض سوى وسط العالم القديم والمعتقدات والحضارات المنتشرة بين من سكنوها في تلك الحقبة من الزمن.  ليس المقصود التقليل من شأن من سبقونا؛ ولكن التطور والتحول سنة إلهية قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا ولا تحويلا.

منذ فترة كنت في مجلس رجل دين معروف بالاعتدال والتسامح، وفي ضيافته لفيف من رجال الدين والفكر، وكان الحديث في جله حول التحديات الفكرية التي تواجه المنطقة وأهمية التعايش بين مختلف مكونات مجتمعاتها. في نهاية الأمسية استوضحت من صاحب المجلس على انفراد عن سبب عدم سماعنا لمثل هذه اللغة الايجابية ممن حضروا في مجلسه من رجالات الدين سواء في خطبهم وأحاديتهم المسموعة أو مقالاتهم وآثارهم المقروءة؟  وقد صعقني جوابه إذ أكد أنهم عالقون بين خوف من هجوم أقرانهم ممن اعتنقوا التعصب، وخوف أكبر من هجرة جمهور تعود بل وأدمن خطاب العنف والطائفية ونبذ الآخر. جمهور يصل إلى النشوة عندما تشحن عواطفه بكره المختلف.

لا شك أن تحديات عديدة تواجه من يقرر مخالفة التيار السائد ليعبّر عما يجيش بداخله من قلقل تجاه انجراف مجتمعات المنطقة إلى دوامة العنف والكراهية المتبادلة، والابتعاد عن روح الدين ومكارم الأخلاق؛ إلا أن خطورة الوضع وحساسية الموقف قد لا يحتملان المزيد من المماطلة والتسويف.  يجب أن ندرك بأن الخطاب الديني ليس منبرا لما يطلبه المستمعون، وأن عباءة الدين ليست لجمع المتابعين و "اللايكات" على شبكات التواصل الاجتماعي.  مازال أمامنا فسحة من الأمل للخروج بمنطقتنا من دوامة العنف والطائفية إلى شاطئ التعايش والتسامح، والأمل كل الأمل معقود على الجميع من رجال الدين والساسة والمفكرين وقادة الفكر من كافة التيارات والتوجهات والمذاهب والأديان أن يسخّروا جهودهم وافكارهم وأقلامهم بشجاعة من أجل تصحيح مسار مجتمعاتهم. قد تكون نار التحديات حارقة أحيانا إلا أن الذهب لا تظهر لمعته إلا عند الامتحان (فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ).

ممدوح الروحاني
الأيام - 20 يناير 2015

تويتر:  @MamdohRo

هناك تعليقان (2):

  1. شكرا يا أستاذ ممدوح على هذه المقالة الرائعة الواعية والتي عالجت واقعنا بوعي وموضوعيه. معرفتنا وادراكنا حقيقة ما نمر به هي الخظوة الأولى في معالجة الوضع بشمولية وحكمة...فلا بد أن يأتي الحل من الداخل، فـــ "لا غير الله قوم إلا إذا غيروا ما بأنفسهم" .. ننتظر المزيد ، ودام قلمك

    ردحذف
  2. تصحيح للخطأ الوارد في ما أدرجت في تعليقي من سورة الرعد، وصحيحها : إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ[الرعد:11]

    ردحذف