المرأة صمام التسامح في المنطقة


المرأة صمام التسامح في المنطقة


منذ أكثر من 140 عاما وتحديدا في عام 1873م نادت مؤتمرات النساء للسلام التي عقدت في عدة مدن في أوروبا وأمريكا الشمالية إلى جملة من التوصيات أهمها: وضع نهاية للحروب من خلال اتفاق دولي، تأسيس مجلس عالمي بمشاركة متساوية لكافة الدول، منع تجارة الكحول لتأثيره السلبي على الامن والسلام في المجتمعات، منع الأفراد من امتلاك وحمل السلاح، إزالة كافة أنواع التمييز على أساس اللون أو العرق أو الجنس، وتفعيل دور المرأة لدعم السلام وحل النزاعات، وغيرها من التوصيات. هذه النداءات جوبهت بقدر كبير من اللامبالاة والاستهزاء والتعليقات الساخرة من قِبَل الساسة والناشطين والمفكرين – وجلهم في تلك المرحلة من الرجال؛ ليس فقط لأن أصحاب الفكر والقرار عندئذ كانوا يعتبرون القوة العسكرية والهيمنة السياسية مسلمات لابد من وجودها لضمان التقدم والتطور والتفوق، بل لسبب أكبر هو أن هذه النداءات صدرت من مجموعة من النساء. فالنظرة الدارجة تجاه المرأة في تلك الحقبة التاريخية – حتى في اكثر المجتمعات تطورا – كانت تصنفهن كطبقة اجتماعية ادنى مكانة وفكرا من الرجال. وعليه فإن مجرد قيامهن بالتباحث والتفكير في مجالات وقضايا كانت حكرا على الرجال أعتبر ضربا من الجنون والتجاوز غير اللائق. فكيف لناقصات عقل أن ينظّرن في ميادين تستعصي حتى على الرجال. وبالتالي حَرَمَ العالم نفسه – بسبب نظرته الرجولية – من فرصة التفكر والتأمل في هذه التوصيات علها تجد حلولا لأزماته.

في مؤتمر السلام بباريس والذي انعقد عام 1919م بعد أن وضعت الحرب العالمية الأولى أوزارها مخلفة قدرا كبيرا من الدمار والدماء والمآسي؛ تقدمت مجموعة أخرى من النساء من خلال اتحاد النساء العالمي للسلام بعدة مقترحات داعمة للسلام وانهاء الحروب وتوصي بوضع قوانين واتفاقيات تمنع قيام أي نزاعات عسكرية مستقبلية.  مرة أخرى أبت النظرة الدونية للمرأة وفكرها أن تمنح هذه المقترحات فرصة كافية للبحث والتفكير، وصوت مؤتمر السلام برفض المقترحات النسائية.  في عام 1946 أي بعد الحرب العالمية الثانية المرعبة التي أثبتت فشل قرارات مؤتمر السلام في باريس قال السيد "جونار يان" رئيس لجنة جائزة نوبل في كلمته بحفل تسليم جائزة نوبل للسلام للسيدة إيميلي جرين بارك: "كم كان حكيما لو كنا أصغينا إلى تلك الاقتراحات" في إشارة حزينة إلى رفض مؤتمر باريس لتوصيات اتحاد النساء. فجونار نفسه كان من بين السياسيين الرجال الذين شاركوا في ذلك المؤتمر.

اليوم بدأ العالم يعي تدريجيا بأنه لا طائل للحديث عن السلام والتسامح والتعايش الإيجابي بين شعوب العالم دون إشراك فاعل وحقيقي لدور المرأة – نصف المجتمع البشري – في تقييم التحديات وتحليلها والمشاركة في وضع حلول لها. فالإرث البشري الذي صنف الرجال في مرتبة أعلى من النساء وبالتالي أوهمهم بأنهم يملكون الحلول الناجعة لمشاكل العالم أثبت فشله المرة تلو الأخرى. فلا يعقل أن نتحدث عن العدالة الاجتماعية والمساواة بين البشر ثم نصنّف نصف الكتلة البشرية على أنه أدنى مرتبة أو أقل ذكاء من نصفها الآخر. كما أن تجارب القرنين الأخيرين والبون الشاسع الآخذ في التزايد بين المجتمعات المتقدمة علميا وفكريا والمجتمعات القابعة في ذيل قائمة التقدم البشري أثبتت بأن لا عضلات الرجال ولا تاريخ امجادهم ولا "شواربهم التي يقف عليها الصقر" كفيلة بإحداث أي تقدم أو تغيير.  فالمجتمعات التي تسعى من أجل مساواة حقيقية بين أبناء اوطانها دون النظر إلى اللون أو العرق أو الجنس تحلق في آفاق التقدم، بينما تثقل أجنحة المجتمعات التي تتمسك فكريا واجتماعيا بتصنيف أبنائها على أساس الجنس أو أي تصنيف آخر، وبالتالي تعجز عن اللحاق بركب السباق.

في مجتمعاتنا الشرق أوسطية نجحنا وبعد عناء كبير من كسر الكثير من أصنام وعادات التصنيف الموهومة. فشتان بين الأمس القريب الذي كنا نحرّم فيه التعليم الأساسي على الإناث وبين اليوم الذي تشير فيه إحصاءات معظم دول المنطقة تفوق الإناث على الذكور في العملية التعليمية ليس فقط عددا بل وحتى نوعا رغم كل التحديات التي تواجه المرأة.  إلا أنه مازال أمامنا طريق طويل لننصف المرأة ونعدل مع النصف الأهم في مجتمعاتنا.

علينا أن نتذكر بأن ما يميز الانسان عن سائر الكائنات ليست طبيعته الجسدية ووظائفه البيولوجية، لأنه في ذلك أشبه ما يكون إلى الحيوان. إن ما يميز الانسان وينمي لديه الفكر ومكارم الأخلاق والصفات الإنسانية العالية، وما يحيل ذلك الجسد الحيواني المظهر إلى إنسان يسعى لإعمار الأرض والرّقي ماديا ومعنويا هي طبيعته الروحية التوّاقة إلى المعرفة والبحث عن الحقيقة؛ ابتداء من سعيه لمعرفة الخالق عز وجل ووصولا إلى اكتشاف الكون من حوله. إن الروح التي تنفخ في الانسان في لحظات تكوينه الأولى لا جنس لها.  أي أننا وإن تباينا من حيث الطول أو اللون أو الجنس، إلا أننا جميعا مشتركون ومتشابهون في أهم خاصية تجعلنا بشرا ألا وهي الروح.

لقرون طويلة تم تمييز البشر على أساس اختلافات بيولوجية بسيطة كاختلاف لون البشرة بين حر كامل وعبد ناقص. وأصرت المجتمعات – بما في ذلك مجتمعات منطقتنا – على تأصيل هذا الاختلاف بكل ما أوتيت من قوة. وقامت بليّ أعناق المنطق والآيات والمفاهيم والتراث لإثبات أن هذه العادة الاجتماعية جزء من الإيمان والمعتقد بل وجزء من الطبيعة البشرية. إلا أن التقدم الإنساني أثبت لنا جميعا كم كانت تلك الحجج واهية وكم كانت تلك الأفكار بعيدة عن العقل والإيمان والفطرة السليمة. رغم هذه التجربة الإنسانية الهامة إلا أننا لازلنا حتى تاريخنا هذا نرى كيف أن الكثير من أبناء مجتمعاتنا يتحجج باختلافٍ بيولوجي آخر هو الاختلاف الجسدي بين الذكر والانثى ذريعة لتصنيف البشر وتهميش حقوقهم. وكنتيجة طبيعية لهذا التهميش المنافي للطبيعة الإنسانية تعثر العطاء الفكري والمشاركة الاجتماعية لنصف سكان المنطقة، وتراكمت العراقيل أمام النمو الطبيعي لمجتمعاتها. هذا التناقض بين تطور العالم من حولنا وإصرار العادات الاجتماعية والثقافية على تصنيف المرأة بمرتبة أدنى شوهت عملية تنشئة الأجيال لاستحالة ازدواجية التوفيق بين معطيات القرن الحادي والعشرين وعلومه، وعادات القرون الماضية وتقاليدها.  ومع تزايد هذا التباين أصبحت الأجيال الصاعدة حاضنة لآفات اجتماعية متنوعة، وتناقضات بدأت تفرز نفسها من خلال العنف والتطرف ورفض المختلف.

لن نحتاج إلى الكثير من البحث لنتعرّف على العلاقة بين تهميش دور المرأة في المجتمع وتحجيم مشاركتها في صناعة القرار، والالتفاف على حقوقها باسم العادات، وانكار مساواتها بالرجل بذريعة اختلافهما البيولوجي؛ وبين ما يحدث في المنطقة من تناحر وكراهية وتصاعد للطائفية ونبذ للآخر، وما تنقله وسائل الإعلام من عنف فكري ولفظي وجسدي وما تعرضه من مشاهد الدماء والقتل والسبي والاغتصاب. فتأملات في أسئلة بسيطة بإمكانها توضيح مدى هذا الترابط:

·        هل تنامي العنف ونبذ التعايش حراك اجتماعي كامل؟ أم انه افراز لهيمنة النصف الذكوري على صناعة الفكر تحت مسمى رجل الدين ورجل السياسة ورجل الثقافة؟

·        هل يعقل أن نطلب من أبنائنا أن يتبنوا ثقافة التعايش وقبول الآخر وهم يرضعون تصنيف المجتمع إلى أكمل عقلا وايمانا، وأنقص عقلا وايمانا لمجرد اختلاف جيني بسيط بين نصفيه؟

·        هل يمكن لشاب ينشأ ثقافيا على أن حقوقه الاجتماعية أعلى من حقوق أقرب الناس إليه كأخته بل وحتى أمه، أن يتقبل تساوي حقوقه مع الآخر المختلف معه فكريا؟

·        هل من المعقول أن نتوقع من شاب تجيز له العادات والتقاليد أن يمارس العنف والضرب ضد أقرب الناس إلى قلبه (زوجته وأبنائه) بحجة التأديب والتقويم؛ ألا يمارس العنف فكرا وقولا وعملا مع الآخر الذي يختلف معه في العادات والمعتقد؟

·        هل هي مجرد صدفة أن من يروجون لثقافة العنف والكراهية والطائفية وينظّرون لها هم أنفسهم أيضا من يروجون وينظّرون لتقليص دور المرأة وتهميش حقوقها وحصر وظائفها الاجتماعية؟

المرأة هي المربي الأول لأجيالنا الصاعدة فكيف لنا أن نتوقع نموا طبيعيا لهذه الأجيال إن لم نكن نؤمن بأهلية عقلها وفكرها، ومساواة حقوقها وواجباتها؟ علاج هذا التحدي لا يكون من خلال سن القوانين والأنظمة فحسب، بل من خلال عملية ثقافية تربوية تعيد التوازن إلى مجتمعاتنا.  المنطقة أحوج ما تكون لقادة فكر ودين وثقافة مستنيرين يعيدون التوازن إلى مسير نموها الاجتماعي والإنساني. فخلق ثقافة التعايش والتسامح ونبذ التعصبات لن ينجح إن لم تتوفر البيئة الاجتماعية العادلة والمتوازنة. بيئة تسمح للمرأة أن تكون شريكة حقيقية في بناء الأوطان ورسم الغد المشرق، بيئة تنظر إلى الإنسان وعطائه لا إلى شكله وهيئته، وتقدره لنبل أخلاقه وعلو مقاصده وجليل خدماته لا لكونه ذكرا أو أنثى. 

ممدوح الروحاني
الأيام - 24 فبراير 2015

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق