ثقافة التسامح طريقنا نحو المستقبل


ثقافة التسامح طريقنا نحو المستقبل


لم يعد المدافعون عن مفاهيم التسامح والتعايش في العالم عموما وفي الشرق الأوسط على وجه الخصوص في حاجة لوضع ديباجات تبريرية أو مقدمات مطولة لشرح أهمية التسامح والتقارب بين الثقافات والشعوب، ومدى حاجة عالم اليوم إلى تفعيل عملية التحاور والتعايش مع الآخر وتطويره من حالة نخبوية إلى فعل اجتماعي عام ينخرط فيه الجميع على كافة المستويات. فنظرة سريعة لما يدور من صراعات وتحديات في المنطقة وما تسيل من دماء بريئة في عدد ليس بقليل من مدن وعواصم الشرق الأوسط لا تبرهن على مدى حاجتنا للتحاور وتعلم فضيلة التعايش والتسامح فحسب، بل ويرّسم لنا صورة واضحة المعالم لما يفرزه الانغلاق الفكري وثقافة الانعزال ورفض الآخر.

كثيرا ما يطرح في عالمنا العربي سؤال مهم حير العديد من المتابعين، كيف كان أن عشنا معا رغم اختلاف ثقافاتنا ومذاهبنا ومعتقداتنا وأيدولوجياتنا وأعراقنا؛ نتقاسم الأحلام والآمال المشتركة ولقمة العيش، ونتخالط ونتجاور بل ونتزاوج وتزدهر فيما بيننا التبادلات التجارية والعلاقات الثقافية وتنقلات العمل والسياحة والدراسة لعقود طويلة من الزمن دون أن نشعر باختلاف أو نتخوف من التنوع؟ ولماذا أصبحت مجتمعاتنا اليوم رغم التقدم وتطور التعليم أقل تقبلا للآخر وأكثر حدة وتشنجا في الكلام، ولماذا أصبح الكثير منا نزاعا للخصام والشقاق ورافضا للتسامح والوفاق؟ رغم أن المكونات الثقافية هي ذاتها لم تتغير، والنصوص الدينية لم تختلف وتفاسيرها المتوارثة لم تتحول.

ما لم ندركه هو أن حالة التقارب والتقبل والهدوء تلك لم تكن نتاج رغبة صادقة في التعايش وتقبل الاختلاف بقدر ما كانت نتيجة الجهل بوجود هذا التباين والاختلاف. فالمجتمعات كانت على سجيتها وفطرتها النقية غير عابئة بالتباين والتنوع والاختلافات، وعامة الناس لم يكونوا مطلعين على ما يحمل موروثهم من رؤى وتفاسير بشرية مقدِّسَة للذات ورافضة للآخر ومسفّهة لكل فكر مختلف.   جهل المجتمعات للتباين فيما بينها والفجوة بين النخب المتعصبة وعامة أبناء هذه المجتمعات خلق عوازل غير مرئية امتصت إلى حد بعيد الوحشة والخوف والكراهية والريبة بين المجتمعات والمكونات والمعتقدات والثقافات على مستوى شعوب العالم وكذلك ضمن المجتمع الوطني الواحد.

إلا أن التطور الطبيعي للعلم والمعرفة والتقنية وضع العالم أمام تحد جديد قلب الكثير من الموازين. فقد جاءت العولمة الثقافية لتزيل الحواجز والمسافات الثقافية فيما بيننا وتجعلنا نقف متقابلين متقاربين نرى اختلافات وعيوب وعورات بعضنا البعض، فنصدم لما لم نكن نتخيل وجوده.  ومن جانب آخر ساهمت التقنية و وسائل الارتباط الحديثة بتحويل المعلومة إلى سلعة متوفرة في متناول الجميع، فأصبحت الأفكار والرؤى والنصوص التي كانت إلى زمن قريب محصورة في صوامع رجال الفكر والدين يديرون بها صراعاتهم الفكرية، مشاعة للجميع شيبا وشبابا متعلمين وغير متعلمين فأثرت سلبا على الفطرة السوية لأبناء هذه المجتمعات وزجت بهم في صراعات عبثية.

الحقيقة المرة هي أن مجتمعاتنا كانت تقوم بالشيء ونقيضة في ذات الوقت. فمن جهة نتعايش ونتعامل بل ونتزاوج مع الآخر المختلف، ومن جهة أخرى نقدس أسماء وافكاراً تنظّر وتدعو لنبذ الآخر وترك التعايش والتسامح. ازدواجية في المعايير لا يمكن لها أن تستقيم أو تستمر طويلا، والنتيجة ما تمر به منطقتنا اليوم من مخاض مؤلم وعسير.

ما لا ينبغي تجاهله هو أن المجتمعات المتوترة والحاضنة للتعصب تعتبر بيئة مثالية لنمو فيروسات التطرف وتكاثر الفكر الدموي والكره العنيف. كما أنها تفتح المجال لكل من يريد تدمير هذه المجتمعات ليستغل هذه التوترات والتعصبات لبث سموم الفتنة وتأجيج نار العصبية والتطرف. فما من علاج يزيد مناعة المجتمعات ضد النوايا المبيّتة والمساعي المدمرة أكثر من ازكاء روح التسامح واحياء ثقافة التعايش بين مختلف مكونات المجتمع. 

على رجال الفكر والتربية والإعلام أن يقدموا لمجتمعاتهم ما يتطابق وروح "مكارم الأخلاق"، ويعزز حالة " تَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى" ويؤصل مفهوم " وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا".   كما أن على رجال الدين من مختلف الأطياف والمذاهب أن يعيدوا قراءة موروثهم وكتبهم ونصوصهم في ظل معطيات العصر ليستخرجوا منها ما يناسب هذه المرحلة من الحياة البشرية.  

التحدي الذي يواجه مجتمعاتنا اليوم دخل من بوابة الدين وتلحف بعباءة المذهب وما من أحد يستطيع أن يفك شيفرة قنابل تطرفه الموقوتة غير رجال الدين الصادقين المخلصين. رجال الدين والفكر والإعلام مطالبون بإعادة المجتمع إلى فطرته النقية وأن يعززوا ثقافة التسامح والمحبة ويكونوا نماذج للمواطنة الحقيقية؛ فالوقت لا يسير في صالحنا والتاريخ لن يغفر لكل من يحمل في يده العلاج ويختار أن يجلس في مقاعد المتفرجين.

ممدوح الروحاني

صحيفة الرياض - 10 يوليو 2015



الصناعة الثقافية والتشنج الطائفي بالمنطقة

الصناعة الثقافية والتشنج الطائفي بالمنطقة


في عصر ثورة الاتصال والتقنيات المعلوماتية تعتبر الصناعة الثقافية وما تقدمها من محتوى لوسائل الإعلام التقليدية والحديثة من أهم وأخطر الصناعات التي تستطيع أن تساهم بشكل فاعل في بناء الأمم أو هلاكها.  فدول العالم المتقدمة والنامية تسعى بكل ما أوتيت من قوة لتتزعّم مختلف مجالات الصناعة الثقافية وتقنية المعلومات لضمان حاضرها وبناء مستقبلها، والصناعة الثقافية تعتبر جزأ أساسيا من سيادتها وهويتها.

الخامس عشر من ديسمبر 1993م شهد واحداً من أسخن فصول صراع القوى العظمى في العالم حول الصناعة الثقافية.  ففي ذلك اليوم كان العالم يترقب التوقيع على آخر وأهم مجموعة من وثائق اتفاقيات (الجات GATT) متعددة الأطراف إيذانا بتأسيس منظمة التجارة العالمية WTO.  إلا أن الجلسة الأخيرة من المفاوضات شهدت الكثير من التعقيد وامتدت إلى ساعات الصباح الأولى.

فالأمريكيون المهيمنون على النصيب الأكبر من الصناعة الثقافية في العالم كانوا حريصين على إدخالها ضمن الاتفاقية واخضاعها لأنظمتها لفتح المزيد من الأسواق على منتجاتهم الثقافية. فأرباب هوليود المدعومين بوعود الرئيس الأمريكي الأسبق كلينتون كانوا يطمحون إلى معاملة الصناعة الثقافية (والمحتوى السمعي والبصري على وجه الخصوص) كأي سلعة أخرى ليتمكنوا من قضم نصيب أكبر من السوق العالمي وليتغلبوا على الحواجز التنظيمية التي تحد من انتشارهم في العديد من دول العالم، كنظام الكوتا لتحديد نسبة استيراد المنتج السينمائي والتلفزيوني والمطبوع، وأنظمة الدعم الاقليمية.

في المقابل كان المفاوض الفرنسي يرى في الصناعة الثقافية خطا أحمرَ لا يمكن التنازل عنه. فالثقافة من منظورهم ليست حالة تجارية قابلة للربح أو الخسارة، بل جزء من هويتهم، وضامنة لتنوعهم، وخط دفاع رئيسي لأمنهم القومي. وزاد من صلابة الموقف الفرنسي هاجسهم الأزلي للحفاظ على الثقافة الفرنكوفونية في مقابل المد الثقافي الأنجلوسكسوني.

في نهاية المطاف وفي الساعات الأولى من فجر اليوم التالي تم توقيع الاتفاقية دون أن تشمل الصناعة الثقافية والخدمات السمعية البصرية. هذا الانتصار الفرنسي لحماية المنتج الثقافي لم يأت دون ثمن، فقد اضطرت فرنسا – ومن ساندها في الاتحاد الأوروبي – أن تتنازل عن استثناءات سيادية سبق أن حصلت عليها. فتنازلت عن الدعم الأوروبي لمشروع طائرات ايرباص والتي تعتبر فخر الصناعة الفرنسية، وقبلت بألم اخضاع شركات "أيروسبيس" الاستراتيجية لأنظمة وقوانين اتفاقيات الجات.  رغم كل هذه التنازلات والتي تقدر ببلايين الدولارات احتفلت فرنسا ومن معها بحفاظها على صناعاتها الثقافية، وقال الوزير الفرنسي "ألآن كاغنو Alain Cargnon" يومها مقولته المشهورة: "أنه انتصار عظيم وجميل لثقافتنا الأوروبية والفرنسية".   وبغض النظر عن الآراء المتباينة حول مدى جدوى الموقف الفرنسي إلا أنه يعكس مدى حرص دول العالم على مشهدها الثقافي ومدى استعدادهم للتضحية من أجل الحفاظ على صناعاتهم الثقافية.

لننظر الآن قليلا إلى مشهد الصناعة الثقافية في منطقتنا العربية. ماذا ننتج فكريا وثقافيا؟  ما هي الثقافة التي نصنعها ونؤصلها لدى أجيالنا الصاعدة؟ هل لصناعتنا الثقافية والإعلامية دورٌ في حالة التشنج والصراع الطائفي بالمنطقة؟

المتابع للساحة الإعلامية بالمنطقة اليوم وما تتناقله وسائل الإعلام التقليدية والحديثة وما تفرزه أقنية الإعلام الاجتماعية يلاحظ مدى ارتفاع النبرة الطائفية والشحن المذهبي والدفع في اتجاه التنافر. ورغم ظهور مساع حثيثة خلال السنتين الأخيرتين للحد من هذه الظاهرة وتعزيز ثقافة التعايش والتسامح، إلا أن الفارق لايزال شاسعا بين المحتوى الإعلامي الذي يعزز التشنج والطائفية ويدفع في اتجاه التفرقة، وبين المحتوى الذي يحاول ردم الهوة وتعزيز الأرضية المشتركة وبث روح التسامح والتآلف.

لا يمكن تحليل وتقييم التأثير الثقافي والاجتماعي لما تتعرض له الجماهير في منطقة الشرق الأوسط من وسائل الإعلام المختلفة دون العودة إلى الخارطة البرامجية لوسائل الإعلام خلال العقدين الماضيين، منذ أن فتحت تقنيات الاتصال أبواب الفضاء وأثير النت لتجلب لنا أكثر من 1000 قناة فضائية عربية وملايين الساعات من المحتوى "الإنترنتي".

لن يتسع هذا المقال لعرض وتحليل المنتج الثقافي الذي حقنت به شعوب المنطقة خاصة الشباب، إلا أنه لا يمكن الحديث عن تأثير الإعلام والصناعة الثقافية في خلق حالة التشنج الطائفي والعنف الديني والمذهبي والعرقي دون أن نتذكّر طفرة البرامج الحوارية الساخنة والتي حرصت على أن تحول النقاش الفكري في المنطقة إلى حلبات لصراع الدِيَكَة تعزز الصراخ والشتائم كوسيلة للتفاهم والنقاش الفكري؛ ودون المرور على برامج جماهيرية كانت تدّعي التحاور والتقارب بين المذاهب بينما كانت في الواقع تَجمع أكثر الرموز تشددا وانغلاقا على طاولة الجدال لتنتج حوارا أبعد ما يكون عن مكارم الأخلاق، فتصنع من المتعصبين نجوما ومن أسلوبهم نموذجا يقتدى به. كما لا يمكن إغفال الطفرة المهولة في عدد القنوات التلفزيونية والمواقع الالكترونية الدينية التي تفرغت تماما لنقل الآراء المتشددة وترويج التعصب وتبرير كره الآخر والبحث عن كل ما من شأنه تهييج مجموعة ضد أخرى. 

إن المتصدرين الجدد للمشهد الإعلامي بالمنطقة انقسموا في جلهم إلى فئتين:
أ) مجموعة تبحث عن الربح المادي دون أن تعي (إلا من رحم ربي) قيمة الثقافة ولا قِيَم الإعلام، فوقعت فريسة للتنافس التجاري البحت وتناست مسئوليتها الثقافية تجاه المجتمع.  فتحولت معادلة العمل لديها من مؤسسات تصنع وتنتج المحتوى الإعلامي المتميز كسلعة تقدمه للجمهور، إلى مؤسسات همها الأول والأخير جمع أكبر عدد من المتابعين وتقديمهم للمعلن، لتصبح معادلة العمل تصنيع وإنتاج الجمهور وبيعهم كسلعة إلى المعلِن الذي لا يهتم بالمحتوى بل بأعداد المتابعين.
ب) مجموعة من أرباب الفكر المتشدد والسلوك المتطرف، تزاوجوا مع مجموعات من أصحاب الأجندات الانتقامية والفكر الإقصائي ممن يروّن بأن الغاية تبرر الوسيلة بل وتجعلها مباركة. فأصبحت معادلة النجاح لديهم كسب تعاطف أكبر عدد ممكن من أبناء مجموعتهم، وخلق أعلى درجات النفور والكره تجاه أبناء المجموعات الأخرى.

أما الإعلام الرسمي والذي يدعي بأنه المسئول عن التنمية وبناء المجتمع وحامي حمى الأوطان فبقي حبيس العمل التقليدي الرتيب ذي الجودة المتواضعة.  وهو بذلك لم ينجح إلا في شيء واحد هو دفع الجمهور إلى أحضان القادمين الجدد بغض النظر عن دوافعهم وأجنداتهم.  مما ساهم – دون وعي أو إدراك – إلى محو ثقافة وهوية مجتمع الوطن الواحد المتنوع المتعدد المتعايش وترك الباب مفتوحا على مصراعيه لكل من يريد خلق التفرقة وتحويل الثقافة من ثقافة مجتمع إلى ثقافة طائفة ومذهب.  فتحولت بعض أكثر مجتمعات الشرق الأوسط تنوعا وتعايشا خلال عقدين فقط إلى أكثرها تنافراً وصراعاً ودمويةً.

لم يعد هناك متسع من الوقت لنضيعه على أمل أن يصلح الزمن ما أفسده عطارو الإعلام. فعندما يكون المجهود الانتاجي والفني المبذول لتصوير حرق انسان أو جز رقاب المئات أكثر اتقانا ومهارة وحرفية من انتاج قنوات وبرامج يفترض أن تعزز لحمة المجتمع وتظهر جمال التعايش بين مكوناته؛ نكون أمام مشكلة إعلامية جادة لا يمكن تجاهلها. عندما يخترق عدد المشاهدات على شبكة اليوتيوب حاجز المليون لخطبة طائفية ناريّة أو لمشهد يسخر من طائفة أخرى، بينما تبقى أرقام المشاهدة حبيسة المئات أو بضعة آلاف لمحتوى يدعم التعايش والتآلف بين أبناء المجتمع فنحن أمام خلل ثقافي لا يمكن السكوت عنه.  وعندما تنجح قنوات التعصب في توظيف الكلمات والأشعار الحماسية للزج بالآلاف من شبابنا وبناتنا في ميادين القتل والنحر والسبي والاغتصاب، بينما توظف القنوات الرسمية الشعر والحماسة للتغزّل في "أنف ناقة" أو "خصر راقصة" عندها نكون أمام ناقوس خطر ثقافي مريع.


بالتأكيد ليست الصناعة الثقافية هي المسئولة الوحيدة عن تنامي ثقافة العنف والطائفية وانهيار قيم التسامح والتعايش والمواطنة الإنسانية السليمة.  إلا أنها بالتأكيد عامل مهم مؤثر لا ينبغي إغفاله.  فالمشكلة أولا وأخيرا خلل ثقافي أخلاقي، ولن يتمكن من إصلاحه إلا من هم على اتصال مباشر مع ضمير المجتمعات وقيمها. فوسائل الإعلام ورجال الدين وقادة الفكر ومتخذو القرار هم من يملكون طوق النجاة وبإمكانهم سحب شباب المنطقة من مستنقع التعصب والطائفية والعنف.



ممدوح الروحاني

الأيام - 1 و 3 يوليو 2015



.

لنحيا بحب .. تعايش



لنحيا بحب .. تعايش

مبادرة رائعة من الفنان الفلسطيني الشاب خالد أبو القمصان

سلسلة حلقات يوتيوبية تهدف إلى تعزيز ثقافة التعايش

الحلقة الأولى: كن أنت قبلة أولادك ،، كن أنت مسجدهم




القاتل الخفي


فيلم القاتل الخفي من إنتاج مركز الملك عبد العزيز للحوار الوطني
“The Hidden Killer” - a production of PSA in support of coexistence


(with English Subtitles)


رحلة الحمض النووي

رحلة الحمض النووي  The DNA Journey

الخارطة الجينية تثبت بأننا جميعا من أصل واحد وعائلة إنسانية واحدة

إهداء إلى كل من يفتخر بأساطير العرق الأصيل والنسب الرفيع


دولة الانسان

دولة الانسان

ليس الانسان خاضع لحدود دولة معينة انما الانسان حر في ارض الله الواسعة
فيديو رائع للشاب العراقي علاء كريدي



الصناعة الثقافية والتشنج الطائفي بالمنطقة

الصناعة الثقافية والتشنج الطائفي بالمنطقة


في عصر ثورة الاتصال والتقنيات المعلوماتية تعتبر الصناعة الثقافية وما تقدمها من محتوى لوسائل الإعلام التقليدية والحديثة من أهم وأخطر الصناعات التي تستطيع أن تساهم بشكل فاعل في بناء الأمم أو هلاكها.  فدول العالم المتقدمة والنامية تسعى بكل ما أوتيت من قوة لتتزعّم مختلف مجالات الصناعة الثقافية وتقنية المعلومات لضمان حاضرها وبناء مستقبلها، والصناعة الثقافية تعتبر جزأ أساسيا من سيادتها وهويتها.

الخامس عشر من ديسمبر 1993م شهد واحداً من أسخن فصول صراع القوى العظمى في العالم حول الصناعة الثقافية.  ففي ذلك اليوم كان العالم يترقب التوقيع على آخر وأهم مجموعة من وثائق اتفاقيات (الجات GATT) متعددة الأطراف إيذانا بتأسيس منظمة التجارة العالمية WTO.  إلا أن الجلسة الأخيرة من المفاوضات شهدت الكثير من التعقيد وامتدت إلى ساعات الصباح الأولى.

فالأمريكيون المهيمنون على النصيب الأكبر من الصناعة الثقافية في العالم كانوا حريصين على إدخالها ضمن الاتفاقية واخضاعها لأنظمتها لفتح المزيد من الأسواق على منتجاتهم الثقافية. فأرباب هوليود المدعومين بوعود الرئيس الأمريكي الأسبق كلينتون كانوا يطمحون إلى معاملة الصناعة الثقافية (والمحتوى السمعي والبصري على وجه الخصوص) كأي سلعة أخرى ليتمكنوا من قضم نصيب أكبر من السوق العالمي وليتغلبوا على الحواجز التنظيمية التي تحد من انتشارهم في العديد من دول العالم، كنظام الكوتا لتحديد نسبة استيراد المنتج السينمائي والتلفزيوني والمطبوع، وأنظمة الدعم الاقليمية.

في المقابل كان المفاوض الفرنسي يرى في الصناعة الثقافية خطا أحمرَ لا يمكن التنازل عنه. فالثقافة من منظورهم ليست حالة تجارية قابلة للربح أو الخسارة، بل جزء من هويتهم، وضامنة لتنوعهم، وخط دفاع رئيسي لأمنهم القومي. وزاد من صلابة الموقف الفرنسي هاجسهم الأزلي للحفاظ على الثقافة الفرنكوفونية في مقابل المد الثقافي الأنجلوسكسوني.

في نهاية المطاف وفي الساعات الأولى من فجر اليوم التالي تم توقيع الاتفاقية دون أن تشمل الصناعة الثقافية والخدمات السمعية البصرية. هذا الانتصار الفرنسي لحماية المنتج الثقافي لم يأت دون ثمن، فقد اضطرت فرنسا – ومن ساندها في الاتحاد الأوروبي – أن تتنازل عن استثناءات سيادية سبق أن حصلت عليها. فتنازلت عن الدعم الأوروبي لمشروع طائرات ايرباص والتي تعتبر فخر الصناعة الفرنسية، وقبلت بألم اخضاع شركات "أيروسبيس" الاستراتيجية لأنظمة وقوانين اتفاقيات الجات.  رغم كل هذه التنازلات والتي تقدر ببلايين الدولارات احتفلت فرنسا ومن معها بحفاظها على صناعاتها الثقافية، وقال الوزير الفرنسي "ألآن كاغنو Alain Cargnon" يومها مقولته المشهورة: "أنه انتصار عظيم وجميل لثقافتنا الأوروبية والفرنسية".   وبغض النظر عن الآراء المتباينة حول مدى جدوى الموقف الفرنسي إلا أنه يعكس مدى حرص دول العالم على مشهدها الثقافي ومدى استعدادهم للتضحية من أجل الحفاظ على صناعاتهم الثقافية.

لننظر الآن قليلا إلى مشهد الصناعة الثقافية في منطقتنا العربية. ماذا ننتج فكريا وثقافيا؟  ما هي الثقافة التي نصنعها ونؤصلها لدى أجيالنا الصاعدة؟ هل لصناعتنا الثقافية والإعلامية دورٌ في حالة التشنج والصراع الطائفي بالمنطقة؟

المتابع للساحة الإعلامية بالمنطقة اليوم وما تتناقله وسائل الإعلام التقليدية والحديثة وما تفرزه أقنية الإعلام الاجتماعية يلاحظ مدى ارتفاع النبرة الطائفية والشحن المذهبي والدفع في اتجاه التنافر. ورغم ظهور مساع حثيثة خلال السنتين الأخيرتين للحد من هذه الظاهرة وتعزيز ثقافة التعايش والتسامح، إلا أن الفارق لايزال شاسعا بين المحتوى الإعلامي الذي يعزز التشنج والطائفية ويدفع في اتجاه التفرقة، وبين المحتوى الذي يحاول ردم الهوة وتعزيز الأرضية المشتركة وبث روح التسامح والتآلف.

لا يمكن تحليل وتقييم التأثير الثقافي والاجتماعي لما تتعرض له الجماهير في منطقة الشرق الأوسط من وسائل الإعلام المختلفة دون العودة إلى الخارطة البرامجية لوسائل الإعلام خلال العقدين الماضيين، منذ أن فتحت تقنيات الاتصال أبواب الفضاء وأثير النت لتجلب لنا أكثر من 1000 قناة فضائية عربية وملايين الساعات من المحتوى "الإنترنتي".

لن يتسع هذا المقال لعرض وتحليل المنتج الثقافي الذي حقنت به شعوب المنطقة خاصة الشباب، إلا أنه لا يمكن الحديث عن تأثير الإعلام والصناعة الثقافية في خلق حالة التشنج الطائفي والعنف الديني والمذهبي والعرقي دون أن نتذكّر طفرة البرامج الحوارية الساخنة والتي حرصت على أن تحول النقاش الفكري في المنطقة إلى حلبات لصراع الدِيَكَة تعزز الصراخ والشتائم كوسيلة للتفاهم والنقاش الفكري؛ ودون المرور على برامج جماهيرية كانت تدّعي التحاور والتقارب بين المذاهب بينما كانت في الواقع تَجمع أكثر الرموز تشددا وانغلاقا على طاولة الجدال لتنتج حوارا أبعد ما يكون عن مكارم الأخلاق، فتصنع من المتعصبين نجوما ومن أسلوبهم نموذجا يقتدى به. كما لا يمكن إغفال الطفرة المهولة في عدد القنوات التلفزيونية والمواقع الالكترونية الدينية التي تفرغت تماما لنقل الآراء المتشددة وترويج التعصب وتبرير كره الآخر والبحث عن كل ما من شأنه تهييج مجموعة ضد أخرى. 

إن المتصدرين الجدد للمشهد الإعلامي بالمنطقة انقسموا في جلهم إلى فئتين:
أ) مجموعة تبحث عن الربح المادي دون أن تعي (إلا من رحم ربي) قيمة الثقافة ولا قِيَم الإعلام، فوقعت فريسة للتنافس التجاري البحت وتناست مسئوليتها الثقافية تجاه المجتمع.  فتحولت معادلة العمل لديها من مؤسسات تصنع وتنتج المحتوى الإعلامي المتميز كسلعة تقدمه للجمهور، إلى مؤسسات همها الأول والأخير جمع أكبر عدد من المتابعين وتقديمهم للمعلن، لتصبح معادلة العمل تصنيع وإنتاج الجمهور وبيعهم كسلعة إلى المعلِن الذي لا يهتم بالمحتوى بل بأعداد المتابعين.
ب) مجموعة من أرباب الفكر المتشدد والسلوك المتطرف، تزاوجوا مع مجموعات من أصحاب الأجندات الانتقامية والفكر الإقصائي ممن يروّن بأن الغاية تبرر الوسيلة بل وتجعلها مباركة. فأصبحت معادلة النجاح لديهم كسب تعاطف أكبر عدد ممكن من أبناء مجموعتهم، وخلق أعلى درجات النفور والكره تجاه أبناء المجموعات الأخرى.

أما الإعلام الرسمي والذي يدعي بأنه المسئول عن التنمية وبناء المجتمع وحامي حمى الأوطان فبقي حبيس العمل التقليدي الرتيب ذي الجودة المتواضعة.  وهو بذلك لم ينجح إلا في شيء واحد هو دفع الجمهور إلى أحضان القادمين الجدد بغض النظر عن دوافعهم وأجنداتهم.  مما ساهم – دون وعي أو إدراك – إلى محو ثقافة وهوية مجتمع الوطن الواحد المتنوع المتعدد المتعايش وترك الباب مفتوحا على مصراعيه لكل من يريد خلق التفرقة وتحويل الثقافة من ثقافة مجتمع إلى ثقافة طائفة ومذهب.  فتحولت بعض أكثر مجتمعات الشرق الأوسط تنوعا وتعايشا خلال عقدين فقط إلى أكثرها تنافراً وصراعاً ودمويةً.

لم يعد هناك متسع من الوقت لنضيعه على أمل أن يصلح الزمن ما أفسده عطارو الإعلام. فعندما يكون المجهود الانتاجي والفني المبذول لتصوير حرق انسان أو جز رقاب المئات أكثر اتقانا ومهارة وحرفية من انتاج قنوات وبرامج يفترض أن تعزز لحمة المجتمع وتظهر جمال التعايش بين مكوناته؛ نكون أمام مشكلة إعلامية جادة لا يمكن تجاهلها. عندما يخترق عدد المشاهدات على شبكة اليوتيوب حاجز المليون لخطبة طائفية ناريّة أو لمشهد يسخر من طائفة أخرى، بينما تبقى أرقام المشاهدة حبيسة المئات أو بضعة آلاف لمحتوى يدعم التعايش والتآلف بين أبناء المجتمع فنحن أمام خلل ثقافي لا يمكن السكوت عنه.  وعندما تنجح قنوات التعصب في توظيف الكلمات والأشعار الحماسية للزج بالآلاف من شبابنا وبناتنا في ميادين القتل والنحر والسبي والاغتصاب، بينما توظف القنوات الرسمية الشعر والحماسة للتغزّل في "أنف ناقة" أو "خصر راقصة" عندها نكون أمام ناقوس خطر ثقافي مريع.


بالتأكيد ليست الصناعة الثقافية هي المسئولة الوحيدة عن تنامي ثقافة العنف والطائفية وانهيار قيم التسامح والتعايش والمواطنة الإنسانية السليمة.  إلا أنها بالتأكيد عامل مهم مؤثر لا ينبغي إغفاله.  فالمشكلة أولا وأخيرا خلل ثقافي أخلاقي، ولن يتمكن من إصلاحه إلا من هم على اتصال مباشر مع ضمير المجتمعات وقيمها. فوسائل الإعلام ورجال الدين وقادة الفكر ومتخذو القرار هم من يملكون طوق النجاة وبإمكانهم سحب شباب المنطقة من مستنقع التعصب والطائفية والعنف.

ممدوح الروحاني

الأيام - 1 و 3 يوليو 2015


المرأة بين سبية حرب ورائدة فضاء


المرأة بين سبية حرب ورائدة فضاء


تناقض صارخ يعتري المشهد النسائي في عالم اليوم. فوسائل الإعلام تكشف لنا يوميا عن عشرات الرائدات في مختلف مجالات العلم التجريبي والطب والفكر والفضاء والتقنية وغيرها. سيدات أثبتن بما لا يدع مجالا للشك بأن المرأة متى ما منحت الفرص والحقوق المساوية للرجل فإنها قادرة على التفوق النوعي والكمي في مختلف الميادين التي كانت إلى عقود قليلة سابقة حصرا على الرجال. ولم تعد مشاركة النساء في مختلف ميادين التقدم البشري أمرا غريبا أو مثيرا للتعجب كما كانت في بدايات القرن الماضي.

إلا أنه في مقابل هذا المشهد الجميل لتطور المجتمع البشري هناك مشاهد أخرى مؤلمة تنقلها لنا نشرات الاخبار بصورة شبه يومية.  مشاهد دموية مؤلمة تكون فيها المرأة الحلقة الأضعف والأكثر اضطهادا، ما بين ثكالى صراعات ومغتصبات معارك وسبايا حروب.  مشهد لا يرى في المرأة سوى جسد مستباح لتصفية حسابات عقدية وأيدلوجية.  فهي إما ضحية مستهدفة لهتك انسانيتها وكرامتها بهدف اذلال العدو وكسر معنوياته وإرهاب مجتمعاته؛ أو في أحسن الحالات أداة لمتعة وراحة الرجال المقاتلين تحت مسميات تبريرية كجهاد النكاح وغيرها من افرازات عقول ذكورية لا ترى للمرأة دورا ولا مكانة إلا امتاع الرجل وتفريخ أبنائه.

مشهدان متناقضان ومتباينان وكأنهما ينتميان لعصرين متباينين وزمنين متباعدين.  عصر يحاول أن ينظر إلى الانسان من خلال عطائه ومشاركته في بناء المجتمع والعالم بغض النظر عن اختلافات العرق واللون والجنس.  وعصر يرى كمال أهلية الانسان في كونه ذكرا. فيقسم البشر بين رجال يعملون لبناء مجتمعاتهم ونساء أقل مرتبه وفكرا خلقن من أجل راحة القسم الأول وتوفير البيئة التي تساعده على الاستمرار.  

البعض (وربما الكثير) يحاول أن يفسر ويبرر هذا التناقض الصريح بين مكانة المرأة ودورها في المشهدين بأنه نتاج ما تعانيه الكثير من دول ومجتمعات العالم من فقرٍ وجهلٍ وانتشارٍ للأمية، وحصيلة افرازات مؤامرات استعمارية حديثة للعبة سياسية لا تعترف بالقيم الأخلاقية، ضمن صراع الوجود بين الشرق والغرب أو الشمال والجنوب.

لا شك بأن الكثير من هذه المبررات تلعب أدوارا بارزة في أية ظاهرة سلبية في عالم اليوم، إذ لا يمكن انكار أن الجهل والفقر وغياب العدالة الاجتماعية عدو الانسان والتقدم البشري عموما وتقدم المرأة على وجه الخصوص في كل زمان ومكان؛ إلا أن معطيات أحداث السنوات الأخيرة قلبت الموازين وعكست بعض التبريرات رأساً على عقب.

فتطور وتميز المرأة في مختلف ميادين الحياة لم يعد حصرا على الغرب المتقدم علميا والمزدهر ماديا؛ وجوائز التفوق والابداع والابتكار لم تعد حكرا على الدول الأكثر تقدما وثراء. فالكثير من الدول التي تعاني من الفقر وانخفاض معدلات التقدم والتعليم نجحت في تقديم نماذج نسائية مشرّفة تركت بصماتها الواضحة محليا وعالميا. قد تكون الطموحات أكثر بكثير مما تحقق، إلا أن مؤشرات التنمية النسائية واضحة في قوسها الصاعد.  وأصوات الملايين من نساء ورجال العالم النامي المطالبة بضرورة احترام مكانة وكرامة المرأة ومنحها فرصا وحقوقا مساوية للرجل لتتمكن من لعب دور أكثر تأثيرا وإيجابية في بناء المجتمعات – أصبح جزءاً أساسيا من المشهد التنموي في هذه الدول، بل ونجحت هذه الاصوات في فرض التحول التدريجي ليس على المستوى التشريعي والقانوني فحسب بل وعلى المستوى الاجتماعي والثقافي أيضا، وهو الأهم.

وفي المقابل وعلى النقيض من هذه الحالة نجد أعدادا متزايدة من أبناء المجتمعات الأكثر ثراء ورخاء والمجتمعات الأكثر تطورا وتقدما يميلون (نساء ورجالا) بمحض ارادتهم تجاه تحجيم دور المرأة وتقبّـل أفكار وترتيبات اجتماعية تعيد المرأة إلى عصور ماضية لتكون انسانة من الدرجة الثانية غاية آمالها أداء دور تكميلي يعزز تفوق الرجل ويشبع هيمنته ورغباته.

ما الذي يجعل سيدة في قرية نائية في بنجلادش تكافح بكل إصرار وتصارع المستحيل رغم الفقر الشديد وضنك العيش ومحدودية الفرص التعليمية لتجعل ابنتها طبيبة متميزة في بلدها. وما الثقافة التي تدفع فتاة من أسرة هندية فقيرة أن تتعلم 3 لغات أجنبية لتتمكن من العمل في مركز اتصال بشركة عالمية بالهند ثم ترتقي إلى أن تصبح رائدة أعمال في مجال التقنية. وفي المقابل ما الذي يقنع فتاة من مجتمع غربي منفتح نشأت وتعلمت في واحدة من أكثر مدن العالم تطورا وازدهارا أن تسافر إلى ميادين القتال لتكون خليلة جهاد لمعتوه يحترف القتل. وأي ثقافة دفعت الابن المرفه لأستاذة جامعية مثقفة على ترك دراسة الماجستير في أفضل جامعات الغرب من أجل الهجرة إلى حيث يمكنه شراء سبايا يغتصبهن تحت راية الدين والمعتقد.

ما الذي يدفع ويحرك ملايين النساء والرجال في عدد من أكثر الدول فقرا وتأخرا للكفاح من أجل منح بناتهم وبنات مجتمعهم أفضل ما يمكن من فرص التعليم والتطور والحياة الكريمة والتمكين والعدالة الاجتماعية رغم كل التحديات؟ وفي المقابل ما الذي يجعل ملايين النساء والرجال في الكثير من البلاد الشرق الثرية والآلاف في دول الغرب المتطورة والمتقدمة لا يروا ضيراً في وجود ترتيبات اجتماعية تحط من مكانة المرأة وتكبل تطورها وتنتقص من كرامتها في زمن أصبحت فيه المرأة رائدة فضاء؟ بل ويتعاطف الكثير منهم مع من يقومون بانتهاك كرامة النساء المسالمات بأبشع الصور من قتل وتشريد وخطف وسبي واغتصاب.

إذن فرغم ما للفقر والجهل من أنياب تدمي وتعيق المساعي البشرية للرقي والتقدم الإنساني، إلا أنها في هذه الحالة بريئة براءة الذئب من دم يوسف؛ أو على أقل تقدير ليست بالسبب الرئيس في هذا التناقض الصارخ.  فالتأمل في هذه الظاهرة وتناقضاتها يضعنا أمام حقيقتين رئيسيتين:

الأولى: أن التحديات الأساسية التي تواجه تمكين المرأة وتعزيز مكانتها وحقوقها وكرامتها في مجتمعات العالم عموما وفي شرقنا الأوسط على وجه الخصوص تحديات ثقافية وبامتياز. فحيثما تواجدت ثقافة التعايش والتسامح وقبول الآخر ازدهرت مسيرة المجتمعات نحو الرقي الإنساني وتعزيز مكانة المرأة وحقوقها – ولو تدريجيا – وتمكنت من تجاوز سائر العوائق. وفي المقابل حيثما تراجعت ثقافة التعايش وقبول المختلف تتأزم الحالة الاجتماعية، وتتقيد القيم الإنسانية خاصة الداعمة لحقوق المرأة ومكانتها.

الثانية: أن كلاً من تقدم أو تخلف القيم الإنسانية المرتبطة بالمساواة بين البشر وتعزيز حقوق المرأة على وجه الخصوص لم يعد مرهونا بجغرافية المكان، بقدر ما هو مرتبط بجغرافية الثقافة. فتجد قرى وبلدات تتطور قيم المساوات فيها رغم ما تعانيه من فقر وتحديات تنموية جسيمة بسبب انتشار ثقافة التعايش بين أفراد مجتمعاتها. وفي المقابل تجد تجمعات سكانية وأحياء كاملة في قلب أكثر مدن العالم تقدما وانفتاحا كباريس ولندن تتراجع فيها حقوق المرأة ومكانتها بشكل ملحوظ وصارخ بسبب انحسار ثقافة التعايش وانتشار ثقافة التصنيف وبث الكراهية في تلك الجيوب السكانية.

وعليه فإن المسئولية العظمى لبناء مجتمعات متوازنة يعامل فيها البشر على أساس القيم الانسانية وليس على اساس اللون أو العرق أو الجنس تقع على عاتق صنّاع الثقافة والمعرفة في هذه المجتمعات. فأرباب الفكر والسياسة ورجال الدين والإعلام بإمكانهم أن يلعبوا أدواراً هامة وخطيرة في إيجاد الحالة الثقافية والبيئة الفكرية الداعمة لتبني قيم إنسانية ومبادئ أخلاقية تساعد مجتمعات العالم على الرقي بمكانة المرأة وتعزيز حقوقها والتعامل معها كإنسان كامل الأهلية. 

قد يتحجج البعض في الشرق الأوسط بأنه من الصعوبة بمكان تطوير ثقافات المنطقة لأنها ذات طابع ديني وتستند إلى قراءات ثابته لمبادئ دينية وتفسيرات عقدية يستحيل تغييرها.  إلا أن نظرة فاحصة لتطور الحياة البشرية في العالم من حولنا والتطورات التي حدثت في منطقتنا خلال قرن مضى تظهر لنا عدم استحالة احداث التطور في التكوين الثقافي. فإلى عقود قليلة ماضية كانت الثقافة الدينية في مشرقنا العزيز الصوت الأعلى المعارض وبشدة لأي نوع من أنواع التساوي بين الحر والعبد، بل كانت ترى في منع أسواق الرق وتجارة العبيد في بدايات القرن العشرين مخالفة لإرادة الخالق عز وجل، وتعتبر الحديث عن مساوات الحر والعبد غزوا فكريا من الآخر الكافر.

إلا أن اهتمام عدد من المفكرين والساسة المستنيرين بتطوير الفكر والثقافة وتبني اعداد من رجال الدين للمفاهيم الإنسانية الداعية إلى تساوي البشر وإنهاء الرق ساهمت على اجتثاث تلك الظاهرة المعيبة من مجتمعاتنا.  فقد سمح عدد من رجال الدين والفكر المنصفين لأنفسهم بأن يعيدوا قراءة ما كانوا يعتبرونه (حتى الأمس القريب) من المسلمات الدينية الثابتة. ونتيجة لهذه الخطوة الجريئة لهذه المجموعة من رجال الدين والفكر والسياسة انقلبت الرؤى خلال عقود قليلة، وتحولت لغة الدعوة إلى القتال وسفك الدماء حفاظا على الرق والعبودية كركن إيماني لا يقبل التغيير، إلى لغة تعتبر إلغاء الرق مقصداً أساسياً للدين وغاية لا بد أن تتحقق.  إن فهم مجتمعاتنا لـ (لا فرق بين عربي ولا عجمي ولا أبيض ولا أسود إلا بالتقوى) تطور تطورا نوعيا بسبب التخلي عن الإصرار على قراءته ضمن نفس النسق التاريخي المتوارث، والأخذ بمعطيات العصر والعلم وتطور الهوية الإنسانية.

والحكاية ذاتها تكررت في مواقف ثقافات مجتمعاتنا تجاه تقنيات الاتصال، ومفهوم الدولة المدنية، والتعليم الحديث، والترتيبات الاقتصادية، وعلوم الطب وهندسة الجينات وغيرها من متطلبات الحياة المعاصرة. فنتيجة لظهور قراءة حديثة لما كنا نعتبرها ثوابت لا تقبل التطوير تحولنا من مجتمعات بدائية إلى دول عصرية لها وزنها في المجتمع الدولي، ومن ثقافة كانت تزندق أرباب العلوم والكيمياء وتسفه افكارهم إلى مجتمعات حقق العديد من رجالها ونساؤها أعلى درجات التفوق والابداع في مختلف مجالات العلوم.

مجتمعاتنا أحوج ما تكون اليوم إلى تعزيز ثقافة التعايش والتسامح وتَقبّل الآخر لخلق بيئة تسمح بتطور المفاهيم الإنسانية. فمن خلال هذه الثقافة فقط نستطيع أن نتجاوز حالة التشنج والشحن الطائفي والفكري المتنامي باضطراد في المنطقة. وبهذه الثقافة فقط يمكن ايجاد البيئة السليمة التي تسمح لنا أن ننظر إلى المرأة التي تشكل نصف المجتمع على أنها انسان كامل. امرأة ورجل خلقا من أصل واحد، وروح واحدة لا جنس لها.


لا يمكن لمجتمعاتنا أن تتطور وتخرج من مستنقع العنف والكراهية وتسابق سائر الأمم في التقدم الروحي والمادي وهي غارقة في تقسيم وتصنيف نفسها على أساس العرق والجنس والفكر والمعتقد. فثقافة الاقصاء والتصنيف وثقافة التمييز على أساس الجنس وجهان لعملة شيطانية واحدة. عملة تصرف لإثراء ثقافة العنف والكراهية بالمنطقة ومسح تراث التعايش والتسامح من ذاكرة مجتمعاتها.

ممدوح الروحاني
الأيام - 27 مارس 2015

المرأة صمام التسامح في المنطقة


المرأة صمام التسامح في المنطقة


منذ أكثر من 140 عاما وتحديدا في عام 1873م نادت مؤتمرات النساء للسلام التي عقدت في عدة مدن في أوروبا وأمريكا الشمالية إلى جملة من التوصيات أهمها: وضع نهاية للحروب من خلال اتفاق دولي، تأسيس مجلس عالمي بمشاركة متساوية لكافة الدول، منع تجارة الكحول لتأثيره السلبي على الامن والسلام في المجتمعات، منع الأفراد من امتلاك وحمل السلاح، إزالة كافة أنواع التمييز على أساس اللون أو العرق أو الجنس، وتفعيل دور المرأة لدعم السلام وحل النزاعات، وغيرها من التوصيات. هذه النداءات جوبهت بقدر كبير من اللامبالاة والاستهزاء والتعليقات الساخرة من قِبَل الساسة والناشطين والمفكرين – وجلهم في تلك المرحلة من الرجال؛ ليس فقط لأن أصحاب الفكر والقرار عندئذ كانوا يعتبرون القوة العسكرية والهيمنة السياسية مسلمات لابد من وجودها لضمان التقدم والتطور والتفوق، بل لسبب أكبر هو أن هذه النداءات صدرت من مجموعة من النساء. فالنظرة الدارجة تجاه المرأة في تلك الحقبة التاريخية – حتى في اكثر المجتمعات تطورا – كانت تصنفهن كطبقة اجتماعية ادنى مكانة وفكرا من الرجال. وعليه فإن مجرد قيامهن بالتباحث والتفكير في مجالات وقضايا كانت حكرا على الرجال أعتبر ضربا من الجنون والتجاوز غير اللائق. فكيف لناقصات عقل أن ينظّرن في ميادين تستعصي حتى على الرجال. وبالتالي حَرَمَ العالم نفسه – بسبب نظرته الرجولية – من فرصة التفكر والتأمل في هذه التوصيات علها تجد حلولا لأزماته.

في مؤتمر السلام بباريس والذي انعقد عام 1919م بعد أن وضعت الحرب العالمية الأولى أوزارها مخلفة قدرا كبيرا من الدمار والدماء والمآسي؛ تقدمت مجموعة أخرى من النساء من خلال اتحاد النساء العالمي للسلام بعدة مقترحات داعمة للسلام وانهاء الحروب وتوصي بوضع قوانين واتفاقيات تمنع قيام أي نزاعات عسكرية مستقبلية.  مرة أخرى أبت النظرة الدونية للمرأة وفكرها أن تمنح هذه المقترحات فرصة كافية للبحث والتفكير، وصوت مؤتمر السلام برفض المقترحات النسائية.  في عام 1946 أي بعد الحرب العالمية الثانية المرعبة التي أثبتت فشل قرارات مؤتمر السلام في باريس قال السيد "جونار يان" رئيس لجنة جائزة نوبل في كلمته بحفل تسليم جائزة نوبل للسلام للسيدة إيميلي جرين بارك: "كم كان حكيما لو كنا أصغينا إلى تلك الاقتراحات" في إشارة حزينة إلى رفض مؤتمر باريس لتوصيات اتحاد النساء. فجونار نفسه كان من بين السياسيين الرجال الذين شاركوا في ذلك المؤتمر.

اليوم بدأ العالم يعي تدريجيا بأنه لا طائل للحديث عن السلام والتسامح والتعايش الإيجابي بين شعوب العالم دون إشراك فاعل وحقيقي لدور المرأة – نصف المجتمع البشري – في تقييم التحديات وتحليلها والمشاركة في وضع حلول لها. فالإرث البشري الذي صنف الرجال في مرتبة أعلى من النساء وبالتالي أوهمهم بأنهم يملكون الحلول الناجعة لمشاكل العالم أثبت فشله المرة تلو الأخرى. فلا يعقل أن نتحدث عن العدالة الاجتماعية والمساواة بين البشر ثم نصنّف نصف الكتلة البشرية على أنه أدنى مرتبة أو أقل ذكاء من نصفها الآخر. كما أن تجارب القرنين الأخيرين والبون الشاسع الآخذ في التزايد بين المجتمعات المتقدمة علميا وفكريا والمجتمعات القابعة في ذيل قائمة التقدم البشري أثبتت بأن لا عضلات الرجال ولا تاريخ امجادهم ولا "شواربهم التي يقف عليها الصقر" كفيلة بإحداث أي تقدم أو تغيير.  فالمجتمعات التي تسعى من أجل مساواة حقيقية بين أبناء اوطانها دون النظر إلى اللون أو العرق أو الجنس تحلق في آفاق التقدم، بينما تثقل أجنحة المجتمعات التي تتمسك فكريا واجتماعيا بتصنيف أبنائها على أساس الجنس أو أي تصنيف آخر، وبالتالي تعجز عن اللحاق بركب السباق.

في مجتمعاتنا الشرق أوسطية نجحنا وبعد عناء كبير من كسر الكثير من أصنام وعادات التصنيف الموهومة. فشتان بين الأمس القريب الذي كنا نحرّم فيه التعليم الأساسي على الإناث وبين اليوم الذي تشير فيه إحصاءات معظم دول المنطقة تفوق الإناث على الذكور في العملية التعليمية ليس فقط عددا بل وحتى نوعا رغم كل التحديات التي تواجه المرأة.  إلا أنه مازال أمامنا طريق طويل لننصف المرأة ونعدل مع النصف الأهم في مجتمعاتنا.

علينا أن نتذكر بأن ما يميز الانسان عن سائر الكائنات ليست طبيعته الجسدية ووظائفه البيولوجية، لأنه في ذلك أشبه ما يكون إلى الحيوان. إن ما يميز الانسان وينمي لديه الفكر ومكارم الأخلاق والصفات الإنسانية العالية، وما يحيل ذلك الجسد الحيواني المظهر إلى إنسان يسعى لإعمار الأرض والرّقي ماديا ومعنويا هي طبيعته الروحية التوّاقة إلى المعرفة والبحث عن الحقيقة؛ ابتداء من سعيه لمعرفة الخالق عز وجل ووصولا إلى اكتشاف الكون من حوله. إن الروح التي تنفخ في الانسان في لحظات تكوينه الأولى لا جنس لها.  أي أننا وإن تباينا من حيث الطول أو اللون أو الجنس، إلا أننا جميعا مشتركون ومتشابهون في أهم خاصية تجعلنا بشرا ألا وهي الروح.

لقرون طويلة تم تمييز البشر على أساس اختلافات بيولوجية بسيطة كاختلاف لون البشرة بين حر كامل وعبد ناقص. وأصرت المجتمعات – بما في ذلك مجتمعات منطقتنا – على تأصيل هذا الاختلاف بكل ما أوتيت من قوة. وقامت بليّ أعناق المنطق والآيات والمفاهيم والتراث لإثبات أن هذه العادة الاجتماعية جزء من الإيمان والمعتقد بل وجزء من الطبيعة البشرية. إلا أن التقدم الإنساني أثبت لنا جميعا كم كانت تلك الحجج واهية وكم كانت تلك الأفكار بعيدة عن العقل والإيمان والفطرة السليمة. رغم هذه التجربة الإنسانية الهامة إلا أننا لازلنا حتى تاريخنا هذا نرى كيف أن الكثير من أبناء مجتمعاتنا يتحجج باختلافٍ بيولوجي آخر هو الاختلاف الجسدي بين الذكر والانثى ذريعة لتصنيف البشر وتهميش حقوقهم. وكنتيجة طبيعية لهذا التهميش المنافي للطبيعة الإنسانية تعثر العطاء الفكري والمشاركة الاجتماعية لنصف سكان المنطقة، وتراكمت العراقيل أمام النمو الطبيعي لمجتمعاتها. هذا التناقض بين تطور العالم من حولنا وإصرار العادات الاجتماعية والثقافية على تصنيف المرأة بمرتبة أدنى شوهت عملية تنشئة الأجيال لاستحالة ازدواجية التوفيق بين معطيات القرن الحادي والعشرين وعلومه، وعادات القرون الماضية وتقاليدها.  ومع تزايد هذا التباين أصبحت الأجيال الصاعدة حاضنة لآفات اجتماعية متنوعة، وتناقضات بدأت تفرز نفسها من خلال العنف والتطرف ورفض المختلف.

لن نحتاج إلى الكثير من البحث لنتعرّف على العلاقة بين تهميش دور المرأة في المجتمع وتحجيم مشاركتها في صناعة القرار، والالتفاف على حقوقها باسم العادات، وانكار مساواتها بالرجل بذريعة اختلافهما البيولوجي؛ وبين ما يحدث في المنطقة من تناحر وكراهية وتصاعد للطائفية ونبذ للآخر، وما تنقله وسائل الإعلام من عنف فكري ولفظي وجسدي وما تعرضه من مشاهد الدماء والقتل والسبي والاغتصاب. فتأملات في أسئلة بسيطة بإمكانها توضيح مدى هذا الترابط:

·        هل تنامي العنف ونبذ التعايش حراك اجتماعي كامل؟ أم انه افراز لهيمنة النصف الذكوري على صناعة الفكر تحت مسمى رجل الدين ورجل السياسة ورجل الثقافة؟

·        هل يعقل أن نطلب من أبنائنا أن يتبنوا ثقافة التعايش وقبول الآخر وهم يرضعون تصنيف المجتمع إلى أكمل عقلا وايمانا، وأنقص عقلا وايمانا لمجرد اختلاف جيني بسيط بين نصفيه؟

·        هل يمكن لشاب ينشأ ثقافيا على أن حقوقه الاجتماعية أعلى من حقوق أقرب الناس إليه كأخته بل وحتى أمه، أن يتقبل تساوي حقوقه مع الآخر المختلف معه فكريا؟

·        هل من المعقول أن نتوقع من شاب تجيز له العادات والتقاليد أن يمارس العنف والضرب ضد أقرب الناس إلى قلبه (زوجته وأبنائه) بحجة التأديب والتقويم؛ ألا يمارس العنف فكرا وقولا وعملا مع الآخر الذي يختلف معه في العادات والمعتقد؟

·        هل هي مجرد صدفة أن من يروجون لثقافة العنف والكراهية والطائفية وينظّرون لها هم أنفسهم أيضا من يروجون وينظّرون لتقليص دور المرأة وتهميش حقوقها وحصر وظائفها الاجتماعية؟

المرأة هي المربي الأول لأجيالنا الصاعدة فكيف لنا أن نتوقع نموا طبيعيا لهذه الأجيال إن لم نكن نؤمن بأهلية عقلها وفكرها، ومساواة حقوقها وواجباتها؟ علاج هذا التحدي لا يكون من خلال سن القوانين والأنظمة فحسب، بل من خلال عملية ثقافية تربوية تعيد التوازن إلى مجتمعاتنا.  المنطقة أحوج ما تكون لقادة فكر ودين وثقافة مستنيرين يعيدون التوازن إلى مسير نموها الاجتماعي والإنساني. فخلق ثقافة التعايش والتسامح ونبذ التعصبات لن ينجح إن لم تتوفر البيئة الاجتماعية العادلة والمتوازنة. بيئة تسمح للمرأة أن تكون شريكة حقيقية في بناء الأوطان ورسم الغد المشرق، بيئة تنظر إلى الإنسان وعطائه لا إلى شكله وهيئته، وتقدره لنبل أخلاقه وعلو مقاصده وجليل خدماته لا لكونه ذكرا أو أنثى. 

ممدوح الروحاني
الأيام - 24 فبراير 2015

أين أنتم مما يحدث ؟

أين أنتم مما يحدث ؟


لن يتذكر الكثير في منطقة الشرق الاوسط عام 2014 بكثير من الخير. فرغم عدد من الأحداث السياسية والاقتصادية الهامة التي تستحق الإشادة إلا أن المشهد الأكثر تكرّرا ورسوخا في الأذهان طوال العام المنصرم هو صور الدماء والقتل والتفجير ونحر الرقاب وصوت بكاء الأطفال ونحيب الثكالى وتوسلات السبايا، ورائحة الدم والبارود وحرق الاشلاء؛ كل ذلك تحت لواء الدين وراية الايمان وباسم المعتقد. كره وحقد وعنف دموي اجتاح العديد من دول المنطقة بل وضرب المجتمعات الأكثر تسامحا واستقرارا.  وتضاعف للأسف رواج خطاب التعصب وفكر الطائفية ولغة الاقصاء بمختلف أرجاء الشرق الاوسط، وأصبح المنتج الثقافي الأول الذي تصدّره المنطقة إلى العالم.

فكر متطرف انتشر كالنار في الهشيم ليحرق قيم الأخوة والتسامح والنخوة ومكارم الأخلاق التي طالما تغنت بها شعوب المنطقة؛ وطوفان لا يُبقي ولا يذر من العنف والكراهية ابتلع عشرات الآلاف من شباب المنطقة ليحولهم من لطافة الايمان إلى معاول للشيطان.  ووسط مشاهد العنف والدمار والهلاك، وقف رجال الإنقاذ والاطفاء الحقيقين وهم رجال الدين من مختلف المذاهب والمشارب بالمنطقة – إلا من رحم ربي – موقف الجمهور وكأنهم يستمتعون بمشاهدة أحد أفلام "الزومبيز" وأكلة لحوم البشر من انتاج خيال هوليوود لا واقعا مدمرا يجتاح مجتمعاتهم ويقتل شبابهم ويستنزف خيرات اوطانهم. صمت مريب وسكوت يحمل في طياته الكثير من المعاني.

لا يمكن بطبيعة الحال أن نرى ما يحدث بالمنطقة بعيدا عن الحدث السياسي العالمي، أو أن نتجاهل المصالح والاطماع والادوار الخفية للكثير من القوى حول العالم. إلا أنه من المشين والمخجل أيضا أن نقبل بتلك المبررات كسبب كاف للتنازل عن القيم والمبادئ، وتبرير العنف والكراهية، والتحوّل إلى محرّك للتنابذ والطائفية، خاصة من قبل أفراد اختاروا بأنفسهم أن يكونوا رجالا للدين وأن يحملوا أمانة إحياء روح الايمان ومكارم الأخلاق بين البشر. 

توالت في الفترة الأخيرة خطابات صريحة لعدد من قادة وزعماء المنطقة تنبه رجال الدين وقادة الفكر بأنه لم يعد هناك متسع للتكاسل والصمت أمام ما يحدث بالمنطقة باسم الدين. إن ما حملته هذه الخطب من إشارة إلى الفكر الذي تم تقديسه على امتداد مئات السنين وما نتج عن هذا الفكر من نصوص وأدبيات احتلت تدريجيا مكان مفاهيم الدين الحقيقية في أذهان ووجدان الملايين في مجتمعاتنا؛ وما أكدوه بحزم عن الحاجة إلى نهضة فكرية وثورة دينية تزيل العوالق والشوائب التي شوهت فهم الكثير في مجتمعاتنا عن الايمان وروحه، جدير بالتمعن والدراسة والبحث.  فمن غير المنطقي أن يدعوَ رجل الدين إلى ايمان جوهره التسامح ثم يسكت سكوتا يدل على الرضا عن نحر رقاب وسفك دماء كل من اختلف معه في الدين أو المذهب. ومن المخالف للفطرة السليمة أن يتكلم عن مكارم الأخلاق ثم لا يرى عيبا في خطف امرأة من أحضان زوجها لتكون سبية مغتصبة لدى معتوه لا يرحم لمجرد اختلاف دينها.  وليس من المعقول أن يؤمن بأن الخالق عز وجل وسعت رحمته كل شيء ثم يحث على الضيق في الرحمة مع كل مختلف في الفكر والدين.

لا بد أن ندرك بأنه رغم كون الحقيقة الإلهية واحدة والأصول الايمانية ثابته، إلا أن فهمنا لمقاصدها وادراكنا لمفاهيمها نسبي ومتغير بتغير الزمان.  فبقدر ما يتصف به الخالق العظيم بالوحدانية والثبات، بقدر ما يتسم به المخلوق من تطور وتغيير كصفة ملازمة له في مسعاه إلى معرفة الخالق. فإن ادعينا بأن فهمنا اليوم أو فهم سلفنا بالأمس هو الفهم الكامل الأتم لكلام لله ومقاصد دينه، نكون قد ادعينا صفة إلهية لأنفسنا وفشلنا في أهم درس من دروس علاقة الانسان بربه. 

إن قراءة مجتمعاتنا اليوم للدين والمعتقد يتم في معظمه من خلال منظار نفوس وتفسيرات اجتهدت في قرون مضت لمعرفة الصواب في ظل ظروف اجتماعية ومكتسبات علمية تختلف كليا عن حال عالمنا ومجتمعاتنا اليوم.  فمن غير المعقول – على سبيل المثال – أن يكون فهم هوية الانسان في زمن كان البشر فيه يباع ويشترى مناسبا لزمن أصبحت فيه الانتخابات مقياسا لاختيار الأنسب.  وليس من المنطق أن تقاس العلوم والفنون في زمن تقنية النانو وهندسة الجينات وغزو الفضاء بمقاييس زمن اعتبرت الأرض فيه مستوية والكيمياء ضربا من السحر لدى من بلغوا قمة الذكاء. كما لن يستقيم تنظيم علاقات البشر والشعوب في زمن العولمة وتقنيات الاتصال خارقة السرعة بمقاييس مرحلة احتاج المرء فيه إلى أيام بلياليها لقطع مسافات تقع اليوم ضمن حدود مدينة واحدة. ولا يمكن أن نتعامل مع التنوع الحضاري والفكري والعقدي لكتلة بشرية تجاوزت سبعة مليارات نسمة بمفاهيم مرحلة لم نكن فيها نعرف عن الأرض سوى وسط العالم القديم والمعتقدات والحضارات المنتشرة بين من سكنوها في تلك الحقبة من الزمن.  ليس المقصود التقليل من شأن من سبقونا؛ ولكن التطور والتحول سنة إلهية قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا ولا تحويلا.

منذ فترة كنت في مجلس رجل دين معروف بالاعتدال والتسامح، وفي ضيافته لفيف من رجال الدين والفكر، وكان الحديث في جله حول التحديات الفكرية التي تواجه المنطقة وأهمية التعايش بين مختلف مكونات مجتمعاتها. في نهاية الأمسية استوضحت من صاحب المجلس على انفراد عن سبب عدم سماعنا لمثل هذه اللغة الايجابية ممن حضروا في مجلسه من رجالات الدين سواء في خطبهم وأحاديتهم المسموعة أو مقالاتهم وآثارهم المقروءة؟  وقد صعقني جوابه إذ أكد أنهم عالقون بين خوف من هجوم أقرانهم ممن اعتنقوا التعصب، وخوف أكبر من هجرة جمهور تعود بل وأدمن خطاب العنف والطائفية ونبذ الآخر. جمهور يصل إلى النشوة عندما تشحن عواطفه بكره المختلف.

لا شك أن تحديات عديدة تواجه من يقرر مخالفة التيار السائد ليعبّر عما يجيش بداخله من قلقل تجاه انجراف مجتمعات المنطقة إلى دوامة العنف والكراهية المتبادلة، والابتعاد عن روح الدين ومكارم الأخلاق؛ إلا أن خطورة الوضع وحساسية الموقف قد لا يحتملان المزيد من المماطلة والتسويف.  يجب أن ندرك بأن الخطاب الديني ليس منبرا لما يطلبه المستمعون، وأن عباءة الدين ليست لجمع المتابعين و "اللايكات" على شبكات التواصل الاجتماعي.  مازال أمامنا فسحة من الأمل للخروج بمنطقتنا من دوامة العنف والطائفية إلى شاطئ التعايش والتسامح، والأمل كل الأمل معقود على الجميع من رجال الدين والساسة والمفكرين وقادة الفكر من كافة التيارات والتوجهات والمذاهب والأديان أن يسخّروا جهودهم وافكارهم وأقلامهم بشجاعة من أجل تصحيح مسار مجتمعاتهم. قد تكون نار التحديات حارقة أحيانا إلا أن الذهب لا تظهر لمعته إلا عند الامتحان (فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ).

ممدوح الروحاني
الأيام - 20 يناير 2015

تويتر:  @MamdohRo