قيمنا الروحية بين مطرقة التنمية وسندان الكهنوت


قيمنا الروحية بين مطرقة التنمية وسندان الكهنوت


تتابعت هذه الأيام أحداث تعكس تنامي الاحتقان الطائفي بشكل متزايد في مختلف ارجاء الشرق الأوسط. وتحمل لنا صفحات الجرائد صورا وأنباء تؤكد بأن هناك خلل واضح وخطير في منظومة القيم الأخلاقية بالمنطقة وانهيار متسارع لحالة التعايش والتسامح وتقبل الآخر في مجتمعاتها.

ما الذي حدث لنا في المنطقة؟ وكيف وصلنا إلى هذه الحال؟ فمن حيث التطور والتقدم شهدت منطقة الشرق الأوسط نقلة كبيرة خلال أقل من قرن من حيث المشاريع التنموية. ومهما كانت انتقاداتنا وملاحظاتنا على نواقص هذه التنمية، إلا أننا لا يمكن أن ننكر بأن هناك بون شاسع بين ما كنا عليه قبل أقل من قرن، وما نحن عليه اليوم. وبما أن المشاريع التنموية والحضارية ساهمت في تطور المجتمعات وجعلتها أكثرا علما وانفتاحا وتمدنا واقل انغلاقا وتفردا، فلماذا إذن كنا أكثر تسامحا وتعايشا عندما كانت الأمية في أعلى درجاتها، وكانت حواضر المنطقة أشبه بقرىً فقيرة وبوادٍ متهالكة؟ ولماذا كنا أكثر ترابطا وانسجاما وأقرب للاتحاد رغم بعد المسافات وقلة السفر وندرة الروابط الاقتصادية والتبادلات الثقافية.

أما من حيث القيم والأخلاق؛ فالمنطقة مهد عدد كبير من الحضارات الدينية بالعالم، وتعتبر اليوم من أكثرها تمسكا بالدين وبالموروث المعتقدي؛ فنسبة الذين يؤدون العبادات في المساجد والمعابد بالشرق الاوسط اليوم قد يكون الأعلى في العالم، ولن نبالغ إذا قلنا بأن عدد المآذن وأجراس الكنائس والمصلين أضعاف ما كانت عليه في الأعصار الماضية مجتمعة. وحيث أن الدين لعب دورا هاما وأساسيا في تأسيس وترسيخ القيم الأخلاقية عبر التاريخ، فلماذا إذن الكراهيات والطائفية في ازدياد مستمر؟  وإذا كانت الرسالات جاءت لتخرج الناس من الجاهلية المتوحشة إلى نور الإيمان ولطافته، كيف نفسر إذن جز الرقاب وهتك الأعراض وتشريد البشر وتعاطف الكثير مع هذه الجرائم؟   وبما أن العمل الصالح والكلمة الطيبة ومكارم الأخلاق هي وصية السماء للبشر، فلماذا نسمع هذا الكم الكبير من الخطاب الطائفي المشحون بالحقد والكراهية والألفاظ غير اللائقة، ومن أين ظهرت آلاف الكتب التي لا تدعوا إلى شيء سوى إلى كره الآخر وذمه؟ 

وبغض النظر عن التفسيرات والتبريرات هناك حقيقة واحدة لا يمكن أن انكارها، وهي أننا في خضم قرن من خطط التنمية ومشاريعها ونصف قرن من صحوة أرادت أن تقربنا إلى نبع القيم الأخلاقية، فشلنا في خلق قيم التعايش والتسامح والتآلف والحوار في مجتمعاتنا، وعجزنا عن تنمية الروح الإنسانية والفطرة السوية أو غفلنا عنها.  دعونا نسترجع ما حدث بإيجاز علنا نكتشف الخلل ونعالجه قبل فوات الأوان.

انهمكت مجتمعات الشرق الأوسط منذ اقل من قرن – أسوة بأقرانها – في تطبيق وتبني خطط تنموية تهدف إلى التقدم والرخاء الاجتماعي والاقتصادي من خلال أهداف ومقاييس مادية اعتمدت على عدد من الأفكار والنظريات التي آمنت بأن التطور الاقتصادي والمادي كفيل بإحداث التطور الاجتماعي، ورغم تباين هذه النظريات إلا أنها جميعا كانت تَعِدُ بالتخلص من الفقر والجهل والوصول بالبشرية إلى فهم راق للهوية الإنسانية. ففي العقود الأولى والوسطى من القرن العشرين سارت شعوب العالم، بالإقناع تارة وبالاستبداد تارة أخرى، وبنمط متسارع، نحو التطور المادي بحثا عن التقدم والعدالة والرخاء.

تخللت هذه المسيرة طفرات ضاعفت من ثقة المجتمعات بهذه النظرة المادية للتنمية، أهمها مشاريع التنمية الاجتماعية والاقتصادية الطموحة التي اجتاحت العالم بعد الدمار الذي خلفته الحرب العالمية الثانية. مشاريع عملاقة تميزت باستثماراتها المادية الجبارة وعظمة الطموح والآمال المعلقة بها. ورغم أنه من الاجحاف انكار النقلة التنموية المادية والتقنية الناتجة عن هذه المساعي الحثيثة؛ إلا أنه من المهم أيضا الاعتراف بأنها لم تحقق طموح الكثيرين حول العالم، وبأن القائمين عليها هم أنفسهم يصفونها بأنها لم تنجح في تحقيق وعودها الجميلة. فزادت الهوة وتضاعف الفقر وانتهى القرن العشرون بقدر كبير من اليأس والغضب حتى في تلك المجتمعات القليلة التي جنت نصيب الأسد من خيرات الحداثة.  ورغم المساعي الحقوقية والإنسانية الجادة التي عملت على غرس وتشريع قوانين وأنظمة تؤصل الحقوق وتعمل من أجل مستويات أعلى من العدالة في المجتمعات، إلا أن المجتمعات البشرية دخلت القرن الواحد والعشرين وهي محملة بأمراض ومشاكل اجتماعية عديدة؛ فقد تضاعفت معدلات الجرائم، وتفككت العائلة، واختلت الموازين التربوية، واستشرى الفساد المالي والإداري، وغير ذلك من الامراض الاجتماعية العديدة التي استوطنت مجتمعات العالم من أكثرها ثراء إلى أكثرها فقرا.

يبدو أن العالم قد نسي بأن الانسان بقدر ما هو مخلوق مادي فإنه موجود روحي أيضا، وعليه فإن تنمية مجتمعات العالم لا يمكن أن تتم من خلال اشباع غرائزه وحاجاته المادية فقط – النظرة التي تبنتها معظم النظريات والنماذج الاقتصادية والتنموية.  يتفق الكثير من الباحثين بأن الأديان لعبت دورا تاريخيا هاما في خلق القيم الأخلاقية والضوابط السلوكية بصورة مباشرة وغير مباشرة. إلا أن العالم في بدايات القرن العشرين اعتقد بأن هذه القيم الأخلاقية قد تطورت وتأصلت إلى درجة لم تعد في حاجة إلى دافع روحي أو عامل ديني لبقائها وتطورها.

من الانصاف أن نعترف بأن ما عزز هذا التفكير هو أن المؤسسات الدينية ورجالاتها في كثير من مجتمعات العالم – بما فيه مجتمعات الشرق الأوسط – قامت على مدى قرون بتحويل الدين إلى منظومة كهنوتية حولته إلى طقوس وعادات، وأفرغته من الجانب الروحي، وأبعدته عن روح العصر وتطور العلم. وبالتالي لم يعد بمقدور هذه المؤسسات في تلك المرحلة تقديم حلول أخلاقية وروحية تتناسب واحتياجات التطور والتنمية، بل وتخندقت ضد التطور والتغيير وصدح رجالاتها بلعن وحرمة كل جديد. ونتيجة لذلك تجاهلت المشاريع التنموية والنظريات والرؤى المهتمة بتطوير الفرد والمجتمع التنمية الروحية للإنسان، وصبت جام غضبها على الدين، وبالفعل اعتقد الكثير حول العالم – بمن فيهم أبناء مجتمعاتنا – بأن الرخاء يكمن في التطور المادي فحسب. وبين تعصب قادة هذا الفكر لنظرتهم المادية البحتة وتعصب رجال الدين لموروثهم الكهنوتي اقتنع مئات الملايين من البشر بأن الدين إن لم يكن أفيونا للشعوب فإنه على الأقل عائق للتقدم ومخالف للعلم والمنطق.

ورغم أن هذا الفتور – المؤقت – تجاه الدين راق للفكر الغربي بسبب تناغمه مع ذاكرته الثقافية وموروثه من عصور الظلام وعصور النهضة؛ إلا أن الحال لم يستمر على ذلك المنوال في العالم الثالث – والثاني بعد انهيار الاتحاد السوفيتي – والذي يشكل أكثرية سكان العالم. فسرعان ما رجعت هذه المجتمعات لتبحث في تراثها الديني في محاولة اشباع احتياجاتها الروحية. ففي الشرق الأوسط حيث أخذت المجتمعات تتجه نحو المنحى العالمي منذ بدايات القرن العشرين وانحسرت الكثير من مظاهر التدين فيها، سرعان ما بدأت رحلة العودة بحثا عما يربطها بتراثها الديني أملا في اشباع روحي. فتزايد الاهتمام بالجانب الديني في الخمسينات وظهرت جليّة في السبعينات، ثم انطلقت صارخة في الثمانينات والتسعينات آخذة زخمها من سلسلة من الاحداث السياسية التي نبهتها إلى أن التنمية الاقتصادية والاجتماعية لم تحقق لها العدالة والرخاء المنشودين.

هذه العودة الباحثة لمجتمعات العالم الثالث عموما ومنطقة الشرق الأوسط على وجه الخصوص وضعتها بين مطرقة مادية التطور والحداثة والتنمية والتي لا تعترف بالطبيعة الروحية للإنسان، وسندان القراءة الكهنوتية للنصوص الدينية والتي حصرت نفسها في مفاهيم موروثة وطقوس أبعدتها كثيرا عن روح العصر، فتشتتت رؤى المجتمعات وتباينت التوجهات وزادت الصراعات الداخلية. ومن عجائب التقدير أنه رغم الاختلاف الشديد بين رجال العلم والفكر ورجال الدين واللاهوت إلا أنهم قد اتفقوا دون وعي على اجحاف الماهية والهوية الروحية للإنسان والتي كانت تاريخيا مصدر الالهام للقيم والمفاهيم والسلوكيات الأخلاقية المتماشية مع تطور المجتمع البشري وتقدم العلم واحتياجات العصر.

وكأن كل ما سبق لم يكن كافيا لإشعال فتيل العصبيات والصراعات، جاءت العولمة بما تحمل من خصائص لتهدم المسافات الثقافية بين المجتمعات؛ فما كان مستورا في الماضي بسبب بعد الثقافات عن بعضها البعض من تعصبات أو عورات أو خلافات تاريخية أصبح مشاعا أمام أنظار العالم أجمع وبالأخص بين المكونات المختلفة في المجتمع الواحد. كما أن العولمة أيضا وبفضل التقدم التقني جعلت المعلومة التي كانت في الماضي مقتصرة على نخب خاصة، متوفرة بين أيدي الجميع وعلى بعد نقرة واحدة.  فزاد الطين بلة وتنامت الصراعات وانتقلت من دهاليز رجال الدين إلى حالة جماهيرية واسعة الانتشار. وفي ظل غياب الجانب الروحي الأخلاقي الذي ينبغي أن يتنامى مع احتياجات التطور البشري وصل الاختلاف إلى أوجه منتجا تطرفا في كل اتجاه، ورفضا لكل مختلف.

وباختصار، فإن ما وصلت إليه مجتمعاتنا نتاج فشلين متزامنين، أولهما: عجز القائمين على التنمية عن ادراك أن الانسان ليس موجودا ماديا فقط بل مزيج من تفاعل حالتين مترابطتين من الوجود المادي والروحي، وأن التنمية لن تحقق أهدافها النبيلة إن لم تأخذ هذه الطبيعة بعين الاعتبار. وثانيهما: عجز الكثير من المؤسسات والمنظومات الدينية من استيعاب أن لا حدود للتطور الانسان والمجتمع البشري، وأن إحياء المبادئ الأخلاقية النبيلة التي جاءت بها الأديان لا يكون من خلال حفظ النصوص فقط واستنساخ فهم السابقين وفرضه على الواقع المعاصر.  هذا القصور في فهم الطبيعة الانسانية أوصل مجتمعاتنا إلى متناقضات أفرزت الاحداث المؤسفة المتزايدة يوما بعد يوم في المنطقة، وجعلت أبناء هذه المجتمعات وخاصة الشباب وقودا لعصبيات وصراعات أبعد ما تكون عن روح الدين وأهداف التنمية.

إننا اليوم أحوج ما نكون إلى حراك تنموي حضاري يهتم بالجانب الروحي والوجداني والأخلاقي للإنسان في قالب يتناسب مع واقع العصر واحتياجات الحياة. حراك يعيد قراءة الموروث الفكري والديني ليستخرج منه النماذج المشرقة والمعاني الإنسانية النبيلة والقواسم المشتركة مع سائر حضارات وشعوب العالم. حراك حضاري كهذا لا يمكن أن يؤتي ثماره دون مشاركة فاعلة وصادقة وجريئة من رجال دينٍ وفكرٍ وقادةِ رأيٍ لا يبالون بجماهيرية الخطاب ولا رضاء الجماعات ومراكز القوى بل يهتمون بكل ما فيه خير بلدانهم ومجتمعاتهم وشعوبهم.


ممدوح الروحاني
الأيام - 26 نوفمبر 2014

تويتر:  @MamdohRo


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق