الأقليات ميزان تقييم الشعوب في زمن العولمة


الأقليات ميزان تقييم الشعوب في زمن العولمة


صدر مؤخرا تقرير منظمة جماعة حقوق الأقليات Minority Rights Group International عن وضع الأقليات في العراق تحت عنوان "من الأزمة إلى الكارثة From Crisis to Catastrophe ". وكما هو متوقع رسم التقرير صورة لمجتمع يتفكك وتتقطع أواصره بسبب عجز التشريعات والتنظيمات والمؤسسات الداخلية عن حماية أقلياتها، وغياب الإرادة السياسية الفاعلة للحفاظ على الفسيفساء الرائعة للمجتمع العراقي وكبح جماح الطائفية المستشرية، والأهم من كل ذلك تصدر عدد ليس بقليل من رجال الدين والفكر والسياسة والإعلام وقادة الرأي العام لعملية الشحن الطائفي والعرقي والقومي بهدف حصد مكاسب سريعة لجماعاتهم على حساب سائر مكونات المجتمع؛ بالإضافة إلى تكالب مجموعة من العوامل الأمنية والجيوسياسية المحلية والإقليمية التي حولت الأقليات الدينية من كونها مؤشراً للثراء الثقافي إلى ورقة في لعبة قمار سياسية لا تورث غير الدم والألم والتشريد والدمار.

ورغم أن الإرهاب وسفك الدماء وهتك الأعراض ونهب الخيرات وتهجير الملايين باسم الدين هو العنوان الأكثر إيلاما ودموية وبروزا على شاشات وصفحات وسائل الإعلام لدى الحديث عن كوارث إنسانية لن ينساها التاريخ كأحداث جبال سنجار ومجازر الإيزديين (اليزيديين)، وتهجير المسيحيين ونهب بيوتهم وأموالهم، وجز الرقاب على الهوية المذهبية، وسبي النساء والغلمان لمجرد اختلاف المعتقد؛ إلا أن هناك عوامل أخرى لا يمكن التغاضي عنها إذا أردنا أن نحلل بإنصاف ما يحدث في العراق وسائر أقاليم المنطقة. إذ ينبغي أن لا ننسى أو نتناسى بأن بيوت المسيحيين لم تنهب على يد الإرهابيين فقط بل على أيدي الكثير من جيرانهم الذين جمعتهم الجيرة بهم لقرون طويلة! وبأن من أقبلوا على شراء السبايا الإيزديات لم يأتوا من المريخ بل هم أبناء نفس المجتمع الذي طالما تغنى بحب الوطن، وبان إزهاق أرواح الشباب صباح مساء بحجة اختلاف المذاهب يتم بيد أبناء نفس العرق والقومية التي طالما اعتزت بكونها أمة واحدة خالدة.  لا شك أن هناك قصص مشرّفة كثيرة وتضحيات إنسانية عظيمة فلو خُليت خُربت كما يقول المثل؛ إلا أنه من المهم أن نكون على وعي بأن التحدي ليس مجرد وجود شرذمة او جيش من الإرهابيين فحسب بل المشكلة أعمق وأكثر خطورة، إنها تكمن في دواخلنا التي جعلتنا بوعي أو دون وعي بيئة حاضنة ومرحبة بالعنف والكراهية والعنصرية والطائفية ونبذ الآخر.

مخطئ من يعتقد بأن ما سبق ذكره حالة خاصة بالعراق وحده. فالمنطقة للأسف مليئة بنماذج مؤلمة كثيرة تشمل إنتهاكات الحق في الحياة والتعدي على الاعراض وانتهاك الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والحرمان من التعليم والعمل، والحرمان من الهوية والأحوال الشخصية. والقاسم المشترك بين جميع هذه النماذج وجود شرائح كبيرة في مجتمعاتنا تأصل فيها نبذ الآخر وشحنت بخطاب العنف والكراهية وتحول لديها الدين من مكارم الأخلاق إلى معارك للبقاء. مجتمعات فقدت بوصلة التقدم والنماء، واشهرت قيم التعايش فيها عن افلاسها، حيث أصبح اللعن والشتم ثوابا، والموت في سبيل الفتك بالآخر استشهادا، وتدمير البلاد والعباد بهدف القضاء على المختلف مقبولا بل ومحمودا ومستحبا. ومازالت الأيام حبلى بالمزيد.

إن عبارات من قبيل: من أين ظهرت كل هذه الأقليات التي لم نسمع عنها من قبل؟  كنا مجتمعات متجانسة لماذا ظهرت كل هذه الأحقاد والكراهيات؟  هل نحن مختلفون عن بعض إلى هذه الدرجة؟  وأسئلة أخرى شبيهة تتكرر في مجتمعاتنا الشرق أوسطية بكثرة لا تصف تغييرات جديدة طرأت على مجتمعاتنا بقدر ما تضعنا أمام حقيقة أننا لم نكن على اطلاع كافٍ بما في مجتمعاتنا من تنوع، وبأن هذا التنوع الذي ينبغي أن يكون مصدرا للثراء الثقافي والاجتماعي أصبح مصدرا للإزعاج بسبب عدم تعودنا على رؤية وتقبل الاختلافات والتعايش والتسامح مع الآخر؛ فأصبحنا دون أن نعي بيئات طاردة للتنوع وجاذبة بل ومرحبة بالتعصب والكراهية والعنصرية والطائفية والعنف.

في عالم اليوم يقاس نضج المجتمعات وصحتها من خلال قابليتها على احتضان اقلياتها والتعايش مع الآخر وتقبل التنوع، ليس على المستوى الرسمي فحسب بل – وهو الأهم – على مستوى الرأي العام والسلوك الاجتماعي والممارسة الفعلية اليومية بالمجتمع. كما أن حماية الأقليات والتنوع في المجتمعات لا يكون من خلال القوانين والتشريعات المفروضة فقط بل من خلال الوازع الأخلاقي والقيم الإنسانية والدور الإيجابي والمؤثر لرجال الدين والفكر بالمجتمع.  لا يكفي أن ندعي بأننا شعوب كريمة متسامحة أو نعلن بأننا من خيرة الأمم أو نتغنى بسيرة الآباء والأجداد المشرقة، فالادعاءات لا قيمة لها في مصرف التاريخ. بل علينا أن نترجم ذلك إلى فعل اجتماعي حقيقي على أرض الواقع ليصدقنا العالم والتاريخ. فلطالما تغنت البلشفية والنازية بقيمها وأخلاقها وسخّرت لذلك جيوش الكتاب والأدباء والفن فهل صدقهم أحد؟

لا خيار أمام مجتمعات الشرق الأوسط، علينا أن نتحرك فورا لفتح آفاق الحوار واجتذاب العقلاء من جميع الأطراف وخلق فضاءات النقاش الايجابي، وزرع مبادئ ومفاهيم التعايش والتآلف من خلال ثلاث محاور رئيسية: أولا: المدارس والمؤسسات التعليمية ودورها التربوي والتعليمي الهام، بما في ذلك إعادة تقييم المناهج والأنشطة التي تقدم للطالب. ثانيا: النيّرين من رجال الفكر والدين والذين يقع على عاتقهم تنوير الأفكار وتقديم الرأي الآخر المنافي للتعصب والعنف.  وثالثا وسائل الإعلام من خلال تناول قضايا التعايش والتنوع وإظهار أهميتها وفقا للأساليب العلمية والفنية الجاذبة للجماهير.  لقد بادرت عدد من دول المنطقة مشكورة بخطوات ايجابية لدعم التحاور والتعايش على مختلف المستويات، واستثمرت ببناء مؤسسات حاضنة للحوار. كما بادر عدد وإن لم يكن كثيرا من رجال الدين وقادة الفكر من مختلف المذاهب والتيارات باتخاذ خطوات شجاعة لكسر تابوهات التعصب وطرح الأسئلة الصعبة وإعادة قراءة النص الديني بما يتوافق ومعطيات العصر؛ إلا أننا في حاجة ماسة إلى المزيد من المشاركة والعديد من المبادرات والكثير الكثير من التفعيل. فكم من عراقٍ ترى نقدم على مذبح التعصبات حتى نتعلم الدرس؟

ممدوح الروحاني
الأيام - نوفمبر 2014

تويتر:  @MamdohRo

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق