التعايش والتقارب بين الأديان والمذاهب - خيار أم مصير

التعايش والتقارب بين الأديان والمذاهب
خيار أم مصير



يتناول عالم اليوم حوارا مستفيضا حول التقارب والتعايش بين مختلف مكوناته الحضارية والدينية والأثنية والقومية.  وتزايد الاهتمام بقضية الحوار والتعايش والتسامح بين الأديان والمذاهب بشكل ملحوظ خلال العقدين الأخيرين، وتطور من اهتمام نخبوي محصور إلى حد كبير في أروقة المنظمات الدولية، إلى شأن عام عالمي فرض نفسه على صفحات وسائل الإعلام الجماهيرية وشاشاتها وانعكس بشكل ملحوظ على حوارات المجتمعات والأفراد وعلى المناقشات والسجالات الدائرة على صفحات المواقع الاجتماعية.

وتزايد اهتمام العالم بوجه عام والعالمين العربي والإسلامي بوجه خاص بالحوار بين الاديان والحضارات نتيجة عاملين رئيسين أولهما:  ظهور رؤى وفرضيات سياسية اجتماعية تتناول بدرجات متفاوتة من الريبة والتشاؤم ما يمكن أن يحدث للعالم نتيجة صراع حضاري مدعوم بالهوية الدينية أخذت ملامحه تلوح في الأفق – من وجهة نظر أصحاب هذه الافكار.  وقد تكون اطروحات مفكرين سياسيين مثل فوكوياما و هنتنجتون حول صراع الحضارات ونهاية التاريخ من أشهر افرازات هذا التوجه الفكري الذي دق ناقوس الخطر منذرا بقرب صراع حضاري عنوانه الرئيسي الدين.  وبغض النظر عن مدى دقة هذه الرؤى والأهداف التي قد تكمن خلفها فإنها كانت كفيلة بتسليط الضوء على أهمية ردم الهوة وبناء جسور الحوار بين الحضارات والأديان في العالم.

العامل الثاني – والأكثر أهمية – هو ما يشهده العالم من صراعات سياسية وعسكرية مؤلمة  ودموية تستمد وقودها من خلافات وصراعات دينية ومذهبية تستنفذ أرواح ومقدرات وأحلام وطموحات العديد من شعوب العالم، إلى جانب ما يحدث من انتهاكات واضحة وصارخة لحقوق الإنسان باسم الدين وتحت ستار التمسك بالموروث والنص الديني.  ورغم أن اكثر شعوب ودول العالم تقدما لم تسلم أيضا من ظهور الأفكار والجماعات الدينية المتشددة والتي تتخذ من الفهم القاصر للدين ذريعة لوضع السياسات وتحديد المصالح، إلا أن العالم الإسلامي عموما والعربي على وجه الخصوص كان له النصيب الأكبر والأكثر وضوحا فيما يتعلق بهذه الصراعات العقائدية.

وبغض النظر عما إذا اعتبرنا هذه الصراعات المتصاعدة مؤشرا لقرب نهاية الجنس البشري وبدء العد التنازلي للوصول إلى نقطة النهاية أو القيامة؛ أو اعتبرناها سنة كونية لتصحيح مسار البشرية وتطهيرها من حيث لا تدري من موروثاتها وتعصباتها التي أثقلت حركتها؛ فإن عالم اليوم يدرك وبشكل متزايد أهمية الحوار والتقارب بين الحضارات وأتباع الأديان، كما أن الحكومات والمنظمات ومفكري العالم يعون المسئولية التاريخية الأخلاقية الملقاة على عاتقهم لردم الهوة ونزع فتيل الشقاق وبناء أرضيات للحوار والتعايش.  إلا أنه في الوقت نفسه يجب الاعتراف بأن الكثير من هذه المجهودات – خاصة في منطقة الشرق الأوسط –  لا تحقق مقاصدها السامية نتيجة لبقاء الكثير من الأفكار حبيسة مفاهيم وتعريفات وأوضاع اجتماعية قاصرة كانت في الأصل جزء من المشكلة وأصبحت اليوم عائقا أمام حلها.

فمن غير المنطقي تصور تحقيق تقدم في اتجاه التقارب والتسامح والتعايش بين أصحاب الأديان في ظل مفاهيم ترى على سبيل المثال:
·         قصر التعايش على اتباع اديان محددة فقط – في الغالب لا تتجاوز الثلاث،
·         أو تصنف المعتقدات بين سماوية وغير سماوية،
·         أو تتناسى بأن مكارم الأخلاق وحسن التعامل مع الجميع قاسم مشترك بين الأديان بل والسبب الأصلي لوجودها،
·         أو تجعل مشاعرها رهينة لأحداث او صراعات قديمة وتنسى الواقع الإنساني المعاصر،
·         أو تحاول تبرير العنف اللساني والبدني الذي يمارسه المتعصبون في مجتمعاتهم وتلبسه رداء القبول دينيا،
·         أو تغمض الطرف عن الكم الكبير من الموروث الديني والنص المقدس والاحداث التاريخية التي تدفع في اتجاه التقارب والتعايش، وفي المقابل تمجد أحداث وموروثات أخرى تؤصل للاختلاف بدعوى أن هذا ما وجدنا عليه آباءنا.

لا يمكن للنوايا الصادقة والمجهودات الحثيثة والمساهمة الجادة في اتجاه التعايش والتقارب أن تؤتي ثمارها وتحقق نتائجها المرجوة دون وضعها على مسارها السليم وتبنيها بمعانيها الشاملة لكافة أبناء الجنس البشري، والعمل بصورة بناءة من أجل الارتقاء بالوعي المجتمعي وتصحيح المفاهيم والمسلمات التي تعيق سير عملية التقارب والتعايش في مجتمعاتنا.  وهذا يتطلب العمل على تحفيز وتقوية الحوارات والنقاشات المجتمعية والتي تدعم تصحيح المفاهيم المغلوطة والمسلّمات المعيقة، وفتح الأفق أمام المفكرين ورجال الدين وصنّاع القرار ليعيدوا قراءة موروثهم المعتقدي في ظل معطيات العصر، واعادة اكتشاف ما تذخر به كتبهم ونصوصهم من جواهر ثمينة وقيم نبيلة.

إن قراءة متأنية لمجتمعاتنا واحتياجاتها والأزمات التي تمر بها المنطقة تكشف لنا مدى حاجة هذه المجتمعات إلى التخلص من التعصب المتزايد، وفتح حوارات عميقة حول التعايش والتآخي بين مختلف المذاهب والأديان في إطار المجتمعات العربية نفسها وفي اطار تفاعلها مع العالم من حولها.  إنها مسئولية أخلاقية ووجدانية وايمانية جسيمة تقع على عاتق كافة المفاصل الفاعلة في مجتمعاتنا وخاصة رجال الدين والمؤسسات الدينية لتصحيح الأعراف السائدة والمفاهيم الخاطئة والمشاعر السلبية المتراكمة والكراهيات المتزايدة والتي اصبحت سببا رئيسا في بطء حركة بناء مجتمعاتنا، وحرمان بعض مجتمعات المنطقة من أبسط متطلبات الحياة الكريمة ناهيك عن التقدم والازدهار.

ما يثلج الصدر ويبعث على الأمل ويزيد في نفس الوقت من حجم مسئوليتنا جميعا تجاه مجتمعاتنا هو البروز التدريجي لعدد متزايد من رجال الدين والشخصيات الاجتماعية البارزة والمفكرين والإعلاميين في مختلف أرجاء العالم الإسلامي ممن استشعروا أهمية التعايش والتقارب ويعملون بشجاعة وبسالة من أجل إنقاذ مجتمعاتهم وتصحيح مسار نموها الفكري والروحي. إنها نماذج ومبادرات تستحق الدراسة والتحليل والاحترام.

ممدوح الروحاني
الأيام - 4 أكتوبر 2014

تويتر:  @MamdohRo

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق